الذكاء الاصطناعي لن يؤثر على الجميع بالتساوي، والشباب في الاقتصادات الهشة سيدفعون الثمن الأكبر

يُقدَّم الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد باعتباره قوة تحول كبرى، قادرة على رفع الإنتاجية، وفتح آفاق جديدة للابتكار، وإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي
لكن النظر بشكل أعمق إلى تأثيره المبكر، خصوصاً في الاقتصادات المتقدمة حيث تكون البيانات أكثر شفافية وخضوعاً للتدقيق، يكشف واقعاً أكثر تعقيداً
فالكثير من الخطاب حول الذكاء الاصطناعي يركز على الفرص
بينما يُمنح اهتمام أقل بكثير للطريقة غير المتساوية التي ستتوزع بها هذه التغييرات. وبدلاً من خلق تقدم مشترك، قد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تعميق الفجوات القائمة، وتسريع نشوء نظام تصبح فيه فرص الوصول إلى الفرص الاقتصادية والاجتماعية أكثر تفاوتاً
فالذكاء الاصطناعي لا يدخل إلى ساحة متكافئة
بل يدخل إلى عالم يعاني أصلاً من عدم مساواة اقتصادية، وأسواق عمل هشة، وضعف في القدرات المؤسسية عبر أجزاء واسعة من الاقتصاد العالمي
وفي هذا السياق، من غير المرجح أن يكون تأثيره المباشر محايداً. فالدول الأقل تطوراً ستشعر بالنتائج بشكل أكثر حدة، خصوصاً بين فئة الشباب، حيث فرص العمل محدودة أساساً
وقد سلطت التصريحات الأخيرة لشخصيات مثل إيلون ماسك وداريو أمودي الضوء على سرعة وحجم التغيرات الجارية
فهذه التحذيرات تشير إلى واقع بدأ يتضح بالفعل: سرعة تطور الذكاء الاصطناعي تتجاوز قدرة معظم الحكومات على الاستجابة الفعالة، أو حتى رغبتها في ذلك
وهذا يخلق فجوة متزايدة بين التقدم التكنولوجي والاستعداد المؤسسي للتعامل معه
وهم الفرص
يركّز الخطاب السائد حول الذكاء الاصطناعي على الكفاءة والنمو
فالشركات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لخفض التكاليف، وزيادة الإنتاج، وتبسيط العمليات. وفي الاقتصادات المتقدمة، قد يترجم ذلك إلى ارتفاع الإنتاجية وظهور أشكال جديدة من الوظائف. لكن حجم الفرص التي يتم خلقها من غير المرجح أن يوازي حجم الإزاحة الوظيفية التي بدأت بالفعل
وهناك شعور متزايد بأن التركيز السياسي لا يزال منصباً على المؤشرات العامة مثل الناتج المحلي الإجمالي، بينما تحظى مسألة سبل العيش والأمان الوظيفي باهتمام أقل بكثير
كما أن الفوائد التي يتم الترويج لها باستمرار من قبل وسائل الإعلام، والسياسيين، وقادة الشركات، تظل شديدة التركز
فهي تذهب بالدرجة الأولى إلى الشركات الغنية برأس المال، وغالباً إلى عدد محدود من اللاعبين الكبار، إضافة إلى العمالة عالية المهارة، والاقتصادات التي تمتلك مؤسسات قوية، وأسواق عمل مرنة، وأنظمة رعاية اجتماعية مستقرة
وفي الوقت نفسه، أشار إيلون ماسك مراراً إلى أن الإزاحة الوظيفية واسعة النطاق قد تتطلب مستقبلاً أشكالاً من الدخل الأساسي الشامل
والرسالة الضمنية واضحة: مستقبل قد تصبح فيه شريحة متزايدة من السكان خارج سوق العمل التقليدي
وبالمثل، حذر داريو أمودي من أن جزءاً كبيراً من وظائف العمل المكتبي، بما في ذلك الوظائف المبتدئة في مجالات القانون، والاستشارات، والتمويل، والتكنولوجيا، قد يصبح قابلاً للأتمتة خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً
وهذه ليست قطاعات هامشية
بل تمثل المسارات الأساسية نحو الوظائف المهنية
وفي أجزاء كثيرة من العالم، لا يصل الذكاء الاصطناعي كفرصة، بل كإزاحة واستبدال
:ومنذ إطلاق نماذج اللغة الكبيرة وانتشارها السريع، لا يزال سؤال أساسي بلا إجابة واضحة
كم عدد الوظائف التي يتم خلقها مقارنة بتلك التي يتم إلغاؤها؟
فالمؤشرات الأولية توحي بأن حتى القطاعات التي كانت تُعتبر آمنة سابقاً، مثل قطاع التكنولوجيا، بدأت بالفعل تشهد اضطرابات وتحولات كبيرة
وهذا وحده يجب أن يُنظر إليه كإشارة على مدى عمق واتساع هذه التغيرات المحتملة
أول المتأثرين: الشباب
سيكون التأثير الأكثر مباشرة للذكاء الاصطناعي على المستويات الأولى من سوق العمل
فهذه الوظائف تتطلب خبرة محدودة، وتعتمد غالباً على مهام متكررة أو إدارية، وكانت تقليدياً تمثل البوابة الرئيسية لدخول سوق العمل
كما أنها الأسهل من حيث الأتمتة والاستبدال
فخدمات دعم العملاء، وإدخال البيانات، وإنشاء المحتوى الأساسي، والمساعدة الإدارية، لم تعد مجرد مخاطر مستقبلية، بل قطاعات بدأت بالفعل تشهد إعادة تشكيل واسعة
وبالنسبة للشباب، فإن ذلك يخلق مشكلة هيكلية
فالمسار التقليدي الذي شكّل أسواق العمل لعقود طويلة، التعليم ثم الحصول على وظيفة مبتدئة يليها اكتساب الخبرة والتدرج الوظيفي، بدأ بالتفكك. وفي العديد من الاقتصادات المتقدمة، أصبح هذا التحول واضحاً بالفعل
فمن دون نقاط دخول، لا يوجد تقدم مهني
وفي الوقت نفسه، توجد ضغوط أوسع تؤثر بالفعل على الأجيال الشابة. فقد تباطأ النمو الاقتصادي في كثير من الدول المتقدمة مقارنة بالعقود السابقة، وازدادت المنافسة من الاقتصادات الناشئة، كما أن البيئات التنظيمية والضريبية، في كثير من الحالات، قيدت توسع الأعمال وخلق الوظائف
وقد أدى ذلك إلى تقليص الفرص المتاحة حتى قبل ظهور التأثير الكامل للذكاء الاصطناعي
وبالتوازي مع ذلك، استمرت تكاليف التعليم في الارتفاع. ففي العديد من الدول، يتحمل الشباب مستويات مرتفعة من الديون سعياً للحصول على مؤهلات أكاديمية، ليجدوا أنفسهم بعد التخرج أمام فرص عمل تزداد غموضاً وعدم استقرار
وبدأ هذا التناقض يعيد تشكيل النقاش العام، كما يغذي شعوراً متزايداً بالإحباط بين الشباب، أصبح واضحاً بشكل متزايد عبر وسائل التواصل الاجتماعي
وفي دول مثل المملكة المتحدة، ظهر تحول ملحوظ في الخطاب العام، من التركيز على التعليم الجامعي الشامل إلى تشجيع المسارات المهنية، والتدريب العملي، والحرف اليدوية
فأصبحت مهن مثل الكهرباء، والسباكة، وأعمال البناء تُطرح بشكل متزايد كخيارات أكثر استقراراً
وهذا يعكس إدراكاً أوسع بأن المسارات التقليدية للوظائف المكتبية لم تعد آمنة كما كانت في السابق
أما في الاقتصادات الأقل تطوراً، فمن المرجح أن يكون التأثير أكثر قسوة
ففي البيئات التي تكون فيها الفرص محدودة أصلاً، وأسواق العمل أقل قدرة على التكيف، فإن اختفاء الوظائف المبتدئة لا يخلق مجرد منافسة أكبر، بل يزيل إمكانية الوصول إلى سوق العمل من الأساس
اقتصادات هشة, وتعرض أكبر للمخاطر
يتضاعف تأثير الذكاء الاصطناعي في الاقتصادات الأقل تطوراً والأكثر هشاشة
فهذه الأنظمة تعاني أصلاً من معدلات مرتفعة من بطالة الشباب، وضعف في خلق الوظائف، وانتشار واسع لسوق العمل غير الرسمي، إضافة إلى أنظمة تعليمية غالباً ما تكون غير متوافقة مع احتياجات السوق. وفي كثير من الحالات، كان التخطيط الاقتصادي طويل الأمد والتنمية الاستراتيجية ضعيفين أو شبه غائبين تماماً
وفي مثل هذه البيئات، تكون فرص العمل للمبتدئين نادرة
كما أن الوصول إلى الوظائف يتحدد في كثير من الأحيان عبر العلاقات الشخصية، أو الشبكات غير الرسمية، أو القدرة على الدفع، بدلاً من الكفاءة والاستحقاق
وفي دول مثل العراق، ساهم ذلك في خلق سوق عمل يعتبره كثيرون مشوهاً بشكل عميق، حيث الفرص محدودة، ومسارات الوصول إلى العمل أصبحت أكثر صعوبة وتعقيداً
ويأتي الذكاء الاصطناعي ليقلص هذه الفرص أكثر فأكثر
وهذا يخلق تأثيراً تراكمياً: وظائف أقل للشباب، منافسة أكبر، ضغط متزايد على الأجور، وارتفاع في مستويات عدم الاستقرار
وفي دول مثل العراق، تتداخل هذه الضغوط مع نقاط ضعف هيكلية موجودة مسبقاً. فقد أصبح الاقتصاد معتمداً بشكل كبير على الاستيراد، مع قدرة صناعية محدودة، وبنية تحتية متخلفة، وقطاع خاص ضعيف غير قادر على استيعاب الأعداد الكبيرة من الخريجين الذين يدخلون سوق العمل سنوياً
وفي الوقت نفسه، يستمر الفساد في تشويه الوصول إلى الوظائف، مما يضيق أكثر المسارات المحدودة المتاحة أصلاً
والنتيجة هي جيل يواجه خيارات محدودة ومقيدة
فتصبح الفرص نادرة إلى درجة تدفع بعض الأفراد نحو بدائل غير رسمية أو عالية المخاطر، مثل الهجرة، أو النشاط الإجرامي، أو الانخراط في الجماعات المسلحة
وعلى عكس الاقتصادات المتقدمة، توجد وسائل حماية محدودة جداً لامتصاص هذا الضغط
فأنظمة إعادة التأهيل والتدريب واسعة النطاق شبه غائبة، وشبكات الأمان الاجتماعي لا تزال ضعيفة، كما أن سياسات سوق العمل تفتقر إلى المرونة اللازمة للتكيف مع التغيرات التكنولوجية السريعة
وفي العراق، ظهرت مؤخراً مقترحات من بعض الشخصيات السياسية لإعادة فرض الخدمة العسكرية الإلزامية على الشباب
وغالباً ما تُقدَّم هذه الإجراءات باعتبارها وسيلة لفرض الانضباط، وتوفير الهيكل والتنظيم، ومعالجة البطالة. لكن التداعيات الأوسع تثير تساؤلات مهمة
ففي نظام يعاني أصلاً من الفساد، قد تؤدي مثل هذه السياسات إلى خلق مسارات جديدة للتمييز وعدم المساواة. فالأشخاص الذين يمتلكون النفوذ أو الموارد قد يجدون طرقاً لتجنب الخدمة، بينما يُترك الآخرون أمام خيارات محدودة
وفي الوقت نفسه، يمكن للخدمة الإلزامية أن تعمل كحل مؤقت يؤخر دخول الشباب إلى سوق عمل يعاني أساساً من الاختناق، بدلاً من معالجة نقاط ضعفه الحقيقية
كما قد تضيف طبقات جديدة من النشاط الاقتصادي المرتبط بالمشتريات، والتدريب، والخدمات اللوجستية، وهي مجالات كانت تاريخياً عرضة للفساد والنفوذ السياسي في العديد من السياقات، مما قد يفتح أبواباً جديدة للفساد
وإلى جانب البعد الاقتصادي، يمكن لمثل هذه السياسات أن تؤثر أيضاً على أنماط الولاء والاعتماد، خصوصاً في الأنظمة التي تعاني أصلاً من توتر في العلاقة بين الدولة والمجتمع
انهيار نماذج الاقتصاد المعتمدة على التعهيد الخارجي
اعتمدت العديد من الاقتصادات النامية على التعهيد الخارجي كجزء أساسي من أسواق العمل لديها
ويشمل ذلك مراكز الاتصال، وخدمات العملاء، والدعم التقني الأساسي، والمعالجة الإدارية
وخلال السنوات الماضية، ظهرت بالفعل دعوات متزايدة داخل الاقتصادات المتقدمة لإعادة بعض هذه الوظائف إلى الداخل، بسبب المخاوف المتعلقة بالتوظيف المحلي، وحواجز اللغة والتواصل، إضافة إلى مخاطر أمن البيانات
لكن الذكاء الاصطناعي أدخل شكلاً أكثر سرعة وحدّة من الاضطراب
فمع التطور السريع لنماذج اللغة، أصبح بالإمكان أتمتة الكثير من هذه الوظائف أو تقليص الحاجة إليها بشكل كبير. فالمهام التي كانت تتطلب سابقاً أعداداً ضخمة من العمالة منخفضة التكلفة، يمكن الآن تنفيذها عبر أنظمة تعمل على نطاق واسع وبمستوى ثابت من الأداء
:وتعتمد هذه القطاعات أساساً على عاملين رئيسيين
انخفاض تكلفة العمالة، والمهام المتكررة ذات الحجم الكبير
وهما بالضبط المجالان اللذان يتفوق فيهما الذكاء الاصطناعي
وقد بدأت الأتمتة في هذه القطاعات بالفعل، مع نتائج مباشرة على أسواق العمل التي تعتمد عليها
والنتيجة هي تقلص فرص العمل في الاقتصادات التي كانت تعتمد على التعهيد الخارجي كمصدر أساسي لخلق الوظائف
ولهذا آثار أوسع، تشمل الضغط على الإيرادات الضريبية، وارتفاع معدلات البطالة، وتزايد السخط تجاه النماذج السياسية والاقتصادية القائمة
فقطاعات كاملة من الوظائف التي كانت تستوعب أعداداً كبيرة من الشباب بدأت الآن بالانكماش بسرعة كبيرة
اقتصاد العمل الحر
خلال السنوات الأخيرة، اتجه العديد من الشباب في الاقتصادات الأقل تطوراً إلى العمل الحر كوسيلة للبقاء، وفي بعض الحالات كطريق لبناء دخل مستقل
وقد وفرت المنصات الإلكترونية إمكانية الوصول إلى الأسواق العالمية، مما أتاح للأفراد تقديم خدماتهم لعملاء من دول مختلفة. وبالنسبة للكثيرين، شكّل ذلك بديلاً عن أسواق العمل المحلية الضعيفة
ورغم أن المدفوعات الفردية غالباً ما تكون منخفضة، فإن تراكم هذه العقود الصغيرة يمكن أن يوفر دخلاً مستقراً نسبياً مقارنة بتكاليف المعيشة المحلية، مما يمنح قدراً من الاستقلال المالي
:وتتنوع طبيعة هذه الأعمال، ومنها
التصميم الجرافيكي وتحرير الصور
الكتابة، والترجمة، والتفريغ النصي
المساعدة الافتراضية وإدخال البيانات
إنتاج الفيديو والصوت
إدارة وسائل التواصل الاجتماعي والتسويق الرقمي
البرمجة الأساسية والمهام التقنية
:وتشترك هذه الوظائف في سمة أساسية واحدة
فهي تعتمد بشكل كبير على العمل الرقمي، والمهام المحددة، وفي كثير من الحالات تكون متكررة بطبيعتها
وهي أيضاً من أكثر المجالات عرضة لتأثيرات الذكاء الاصطناعي
ومع توسع الأتمتة في هذه القطاعات، يواجه اقتصاد العمل الحر ضغوطاً متزايدة. فالمهام التي كانت تتطلب تدخلاً بشرياً أصبحت تُنجز الآن بسرعة أكبر وبتكلفة أقل عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي
وبالنسبة لكثير من الشباب، فإن ذلك يهدد أحد المصادر القليلة المتاحة للدخل
والنتيجة هي تضييق الخيارات المتاحة، ودفع الأفراد مجدداً نحو الاعتماد على الدولة حيثما وُجد ذلك، أو إجبارهم على البحث عن بدائل أخرى غالباً ما تكون أكثر صعوبة وتعقيداً
التداعيات الاجتماعية والسياسية
لا يمكن فصل التأثير الاقتصادي عن آثاره الاجتماعية
فدخول أعداد كبيرة من الشباب إلى مرحلة البلوغ من دون الوصول إلى وظائف مستقرة يخلق ضغوطاً على عدة مستويات. ويشمل ذلك زيادة الهجرة، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وارتفاع التعرض للاستغلال، إلى جانب تنامي مشاعر الإحباط وتراجع الثقة بالمؤسسات
وهذه الظواهر لا تقتصر على الاقتصادات الأقل تطوراً فقط، بل أصبحت تظهر بشكل متزايد على نطاق عالمي
كما تمتد التأثيرات إلى أبعد من ذلك
فانخفاض القدرة على تحقيق الدخل يؤثر بشكل مباشر على مجالات أوسع من الحياة، بما في ذلك القدرة على السكن، والتعليم، وتكوين الأسرة، والاستقرار المالي على المدى الطويل
فالعمل يشكل أساس المشاركة الاجتماعية والاقتصادية
وقد أظهرت فترات الاضطراب السابقة مدى حساسية هذا النظام. فخلال جائحة كوفيد-19، أدت حتى الصدمات القصيرة في سوق العمل إلى خسائر واسعة في الوظائف، وإغلاق الشركات، وارتفاع ملحوظ في الضغوط النفسية
وفي كثير من الحالات، أثبتت العودة إلى سوق العمل صعوبتها، مما كشف مدى هشاشة هياكل التوظيف عندما تتعرض للاضطراب
وعلى نطاق واسع، فإن البطالة المستمرة ستؤدي إلى آثار أقوى وأكثر ديمومة، تعيد تشكيل التوقعات المتعلقة بالعمل، وتقلل من المشاركة طويلة الأمد في سوق العمل، وتغير الطريقة التي تعمل بها المجتمعات وتتطور
وعندما يضعف هذا الأساس، تصبح النتائج مترابطة
فقد يظهر ذلك في شكل تصاعد التوترات الاجتماعية، وارتفاع النشاط الإجرامي، وتدهور أوسع في الاستقرار الاقتصادي
ومع مرور الوقت، تبدأ هذه الضغوط بإعادة تشكيل المجتمعات نفسها
وفي الدول الأكثر هشاشة، يمكن أن يترجم ذلك بسهولة إلى ارتفاع معدلات الجريمة، وزيادة التجنيد داخل الجماعات المسلحة والميليشيات، وتصاعد الاضطرابات الاجتماعية
وهذه ليست مخاطر نظرية
بل تعكس أنماطاً ظهرت بالفعل في اقتصادات تفتقر إلى القدرة على استيعاب العمالة
والذكاء الاصطناعي يسرّع من هذه الديناميكيات
نظام غير مستعد أو غير راغب في الاستعداد
ربما تكون المشكلة الأهم هي غياب الاستعداد، أو في كثير من الحالات، غياب الرغبة في الاستعداد أصلاً
ففي العديد من الدول، لا توجد استراتيجية واضحة لانتقال العمالة، ولا استثمارات كافية في برامج إعادة التدريب واسعة النطاق، ولا إطار سياسي متماسك لمعالجة تأثير الذكاء الاصطناعي على التوظيف
وفي عدد من الاقتصادات الأقل تطوراً، لا تزال شرائح واسعة من القوى العاملة تعتمد بشكل كبير على الوظائف الحكومية. وهذه الوظائف غالباً ما تكون منخفضة المهارة، وفي بعض الحالات تقدم قيمة اقتصادية محدودة، بما يعكس أوجه القصور الأوسع داخل هياكل القطاع العام
وفي الوقت نفسه، بدأت الحكومات نفسها باستخدام الذكاء الاصطناعي لخفض التكاليف وتحسين الكفاءة
:وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً
إلى أين ستذهب هذه القوى العاملة؟
فالقطاع الخاص، في كثير من هذه الاقتصادات، لا يمتلك القدرة على استيعاب أعداد كبيرة من العمالة التي قد تُستبعد من وظائفها. كما أنه يعمل في بيئات مقيدة، لا بسبب المنافسة فقط، بل أيضاً بسبب تركّز السوق، حيث يسيطر عدد محدود من الجهات الكبرى على أجزاء واسعة من النشاط الاقتصادي
ومع اعتماد هذه الجهات نفسها على الذكاء الاصطناعي لزيادة الكفاءة، تضيق مساحة استيعاب العمالة أكثر فأكثر
وفي المقابل، فإن التطور التكنولوجي العالمي لا يتباطأ
وهذا يخلق فجوة متسعة بين التغير التكنولوجي السريع والاستجابة المؤسسية البطيئة، أو غير الموجودة أساساً، خصوصاً في المناطق التي تكون فيها أنظمة الرعاية الاجتماعية ضعيفة أو شبه غائبة
وهذه وصفة واضحة لعدم الاستقرار
عدم المساواة كجزء من التصميم
الذكاء الاصطناعي لا يخلق عدم المساواة بطبيعته
لكن البنية التي يتم من خلالها تطويره ونشره، والمتمركزة بيد عدد محدود من الشركات الكبرى التي تسيطر على البنية التحتية، ورأس المال، والتكنولوجيا، تعني أن فوائده من غير المرجح أن تتوزع بشكل متساوٍ
وفي مساره الحالي، قد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تعزيز وتسريع الفجوات القائمة:
بين الاقتصادات المتقدمة والاقتصادات النامية
بين العمالة عالية المهارة والعمالة منخفضة المهارة
بين من يمتلكون رأس المال ومن لا يمتلكونه
وبالنسبة للشباب في الاقتصادات الهشة، فإن هذا يمثل تحولاً هيكلياً مباشراً
فهو يعيد تشكيل التوقعات المتعلقة بالفرص
كما تصبح مسارات التوظيف، سواء في القطاع العام أو الخاص، أكثر بعداً وصعوبة، أو حتى غير قابلة للوصول في بعض الحالات
وهذا يمثل تآكلاً كبيراً في الفرص المتاحة للأجيال الشابة
وحتى في الاقتصادات المتقدمة، بدأت المخاوف تظهر بالفعل
فالكثير من الباحثين عن عمل يتحدثون عن إرسال أعداد كبيرة من طلبات التوظيف من دون الحصول حتى على مقابلات عمل، ما يعكس مدى التنافس والضيق المتزايد في مسارات الوظائف المبتدئة
أما في الدول الأقل تطوراً، فمن المرجح أن يكون الوضع أكثر صعوبة
فالوصول إلى البيانات الموثوقة غالباً ما يكون محدوداً، كما أن الرؤية العامة لهذه الاتجاهات تقل بسبب البيئات الإعلامية الأكثر سيطرة، بما في ذلك منصات التواصل الاجتماعي
ونتيجة لذلك، قد يكون حجم المشكلة أقل ظهوراً مما هو عليه في الواقع، حتى مع ازدياد آثارها بشكل متسارع
الخاتمة
سيعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الاقتصاد العالمي، لكنه لن يفعل ذلك بشكل متساوٍ
فبالنسبة للأجيال الشابة في الأنظمة الأكثر استقراراً، قد يفتح فرصاً جديدة، لكن لعدد محدود من الأشخاص مقارنة بمن قد يفقدون وظائفهم ويواجهون صعوبة في إيجاد بدائل
أما بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في اقتصادات هشة، فإنه يهدد بإزالة المسارات القليلة المتاحة أصلاً
فالذكاء الاصطناعي يمثل تحدياً هيكلياً يتطلب استجابات سياسية جادة لحماية سبل العيش والحفاظ على الاستقرار
ولا ينبغي التقليل من حجم هذا التحول
فسواء تم الاعتراف بذلك بشكل كامل أم لا، فإن الاتجاه أصبح أكثر وضوحاً يوماً بعد يوم: أسواق العمل حول العالم تدخل مرحلة من الاضطراب الكبير
وإذا لم تتم معالجة هذه المشكلات الهيكلية، فإن الذكاء الاصطناعي سيعمّق أوجه عدم المساواة التي تميز الاقتصاد العالمي بالفعل، ومن المرجح أن يكون التأثير المبكر والأشد في الاقتصادات الأقل تطوراً
Iraq Business Journal
19th of April, 2026
