كيف تم هندسة الانقسام في العراق بعد عام ٢٠٠٣

Photo by Baraa Obied: Pexels.com
الانقسامات التي تحدد العراق اليوم لم تظهر بشكل طبيعي
بل تم بناؤها بشكل متعمد ومنهجي، وما تزال آثارها طويلة الأمد تشكل الواقع السياسي والاجتماعي للبلاد حتى اليوم
وقبل عام ٢٠٠٣، كانت الرواية المقدمة للجمهور المحلي والعالمي واضحة: العراق دولة يتعرض فيها الشيعة والأكراد لاضطهاد ممنهج
وقد استُخدم هذا التصور لتبرير التدخل، إلى جانب ادعاءات أخرى، أبرزها قضية أسلحة الدمار الشامل
لكن الواقع كان أكثر تعقيداً
فحزب البعث نفسه ضم عدداً كبيراً من الأعضاء الشيعة، كما أن المناطق الكردية، رغم كونها موضع نزاع، كانت قد حققت مستوى من الحكم الذاتي يصعب تكراره حتى اليوم في دول مجاورة مثل تركيا، وسوريا، وإيران
وهذا لا يعني أن النظام السابق كان خالياً من الأخطاء
فقد اتُخذت إجراءات قاسية بحق المعارضين السياسيين، وتعرض ناشطون للملاحقة، واستُهدفت عائلات، واضطر كثيرون إلى اللجوء خارج البلاد، وغالباً إلى إيران
كما أن أحداث ما بعد انتفاضة عام ١٩٩١، التي جاءت عقب انسحاب الجيش العراقي من الكويت، شهدت أعمال عنف واسعة وخسائر كبيرة في الأرواح
لكن طبيعة تلك الانتفاضة ما تزال محل جدل
فهي لم تكن مجرد حركة داخلية عفوية بالكامل
إذ دخلت جماعات مسلحة، كان للعديد منها ارتباطات واضحة بإيران، إلى العراق خلال فترة ضعف الدولة
ومن بين هذه الجماعات تشكيلات مثل فيلق بدر وعناصر مرتبطة بحزب الله
وقد عملت هذه الجماعات وسط الفوضى، مقدمةً ما يحدث على أنه انتفاضة شعبية، بينما كانت تدفع بأهدافها الخاصة في الوقت نفسه
وما تلا ذلك لم يكن مجرد تمرد، بل عملية تفكك واسعة
فقد انتشر العنف في المحافظات الجنوبية، رافقته عمليات نهب وانهيار للمؤسسات
ولم يستقر الوضع إلا بعد تدخل الحرس الجمهوري العراقي، الذي أنهى الحركة بسرعة
وقُتل كثيرون، بينما فرّ آخرون مجدداً إلى إيران ودول مجاورة، من بينها السعودية
ولا تزال هذه المرحلة تمثل نقطة انقسام عميقة في الذاكرة العراقية
فبالنسبة للبعض، كانت انتفاضة مشروعة ضد سلطة الدولة
وبالنسبة لآخرين، كانت بداية استخدام الميليشيات المدعومة خارجياً لزعزعة استقرار البلاد تحت غطاء الثورة الشعبية
وفي كثير من النواحي، يمكن النظر إلى تلك اللحظة باعتبارها نقطة تحول مبكرة، وبداية تشكل انقسام أكثر وضوحاً واستمرارية بين العرب السنة والشيعة
كما حافظت وسائل الإعلام الغربية إلى حد كبير على الرواية نفسها خلال السنوات التي سبقت الغزو
أما تأثير العقوبات خلال تسعينيات القرن الماضي، وهي سنوات شهدت معاناة واسعة وخسارة مئات الآلاف من الأرواح، فلم يُعرض بنفس القدر من الإلحاح أو الاهتمام الإعلامي
وظلت آثارها، إلى حد كبير، في خلفية النقاش العام
وبحلول لحظة اتخاذ قرار الغزو، كانت المبررات قد ترسخت بالفعل في أذهان كثيرين
وما تلا ذلك لم يكن مجرد تغيير للنظام
بل إعادة تشكيل لهوية العراق نفسها

بداية الانقسام الطائفي

في الأيام الأولى من الحرب، لعبت الرسائل الإعلامية والخطابات دوراً حاسماً
فقد انتشرت تقارير تفيد بأن علي السيستاني طلب من أتباعه عدم مقاومة القوات الأمريكية
وكان تأثير ذلك فورياً، إذ زرع الشكوك وأثار تساؤلات حول مدى تأثير المرجعية الدينية على مسار الصراع
وقد نفت الحكومة العراقية هذه الادعاءات في ذلك الوقت، لكن الرسالة نفسها عادت للظهور وتعززت عبر قنوات أخرى، مما منحها مصداقية وانتشاراً أوسع
وهي لحظة لا يزال كثير من العراقيين يتذكرونها بوضوح، وهم يشاهدون الأحداث تتكشف في الوقت الحقيقي، بينما كانت الروايات تتشكل والتصورات تتغير بالتوازي مع الحرب نفسها
وبالنسبة لكثير من السنة، أثار ذلك سؤالاً أساسياً: هل يمكن للمرجعية الدينية أن تحدد مسار الحرب؟ وإذا كان الأمر كذلك، ففي أي جانب تقف؟
كما أثار الأمر قلقاً أعمق
لماذا تمتلك مثل هذه الشخصيات هذا المستوى من النفوذ؟ ولماذا كانت شرائح واسعة من الشيعة مستعدة لاتباع هذه التوجيهات؟ ولماذا مُنح علي السيستاني هذا الحضور الإعلامي الكبير في تلك اللحظة تحديداً؟
لم تكن هذه الأسئلة نظرية أو مجردة
بل كانت تمس جوهر الثقة، والسلطة، والتمثيل، داخل عراق كان يتغير بسرعة
وقد شكلت تلك اللحظة بداية انقسام أعمق

سلطة الائتلاف المؤقتة وترسيخ الانقسام داخل الدولة

بعد سقوط الدولة، تولت سلطة الائتلاف المؤقتة إدارة العراق
وكانت قراراتها بمثابة إعادة تشكيل جذرية للبلاد
فحلّ حزب البعث، وإدخال نظام سياسي قائم على المحاصصة الطائفية والإثنية، لم يكونا مجرد قرارات إدارية
بل كانا تحولات بنيوية عميقة
ولأول مرة في تاريخ العراق الحديث، جرى ترسيخ الهوية سياسياً بصيغة: شيعي، سني، وكردي
وهذا لم يكن الشكل الذي كان يعمل به العراق سابقاً
لكن بمجرد دمج هذه التصنيفات داخل بنية الحكم، تحولت سريعاً إلى منافسة، وإقصاء، ثم إلى عنف لاحقاً
وفي السابق، كانت هناك حدود مفهومة ضمنياً: إذا ابتعد الأفراد وعائلاتهم عن النشاط السياسي، فغالباً ما كانوا يُتركون وشأنهم
فالعلاقة بين الدولة والمجتمع، رغم قسوتها أحياناً، لم تكن قائمة على منافسة طائفية مستمرة على المستوى المجتمعي
لكن بعد عام ٢٠٠٣، تغيّر ذلك بالكامل
إذ أصبح الانقسام جزءاً متجذراً داخل النظام نفسه، وتحولت السياسة إلى صراع حول الهوية: من يسيطر على ماذا، وباسم من
كما انتقلت مسألة الأغلبية والأقلية إلى صدارة المشهد، لتصبح العدسة الأساسية التي تُفهم من خلالها السلطة ويتم توزيعها
أما الكفاءة، والجدارة، والولاء للعراق، فقد جرى تهميشها تدريجياً، لتحل محلها الانتماءات والاصطفافات الطائفية

حلّ الجيش العراقي

كان من أكثر القرارات خطورة بعد عام 2003 قرار حلّ الجيش العراقي
فهذا القرار ترك فوراً مئات الآلاف من الأشخاص بلا عمل، رجالاً مدربين على الأمن والتنظيم، يشاهدون بلدهم ينهار أمامهم
ولم يكن الأمر مجرد إزالة لقوة عسكرية
بل كان تدميراً لإحدى المؤسسات الوطنية القليلة التي امتلكت تاريخاً طويلاً وجذوراً عميقة في وجدان العراقيين، وكانت قادرة على الحفاظ على النظام
وفي الفراغ الذي نتج عن ذلك، ظهر مشهد أمني مفكك ملأته الميليشيات بسرعة
لكن هذه الجماعات لم تكن محايدة
فالكثير منها كان يحمل دوافع أيديولوجية، وتوجهاً طائفياً، وارتباطات خارجية، خصوصاً مع إيران
وبعضها كان قد قاتل ضد العراق خلال الحرب العراقية الإيرانية، مما أثار تساؤلات إضافية حول الولاء والنوايا بعيدة المدى
وكانت النتيجة فورية: شريحة واسعة من السكان شعرت بالاغتراب عن النظام السياسي الجديد
فمئات الآلاف لم يصبحوا عاطلين عن العمل فقط، بل جرى إقصاؤهم فعلياً من النظام الجديد
وغالباً ما يُوصف هذا القرار بأنه خطأ
لكن حجم القرار، وتوقيته، ونتائجه، تشير إلى ما هو أبعد من مجرد خطأ
فقد سُحبت القوة من المؤسسة الوحيدة القادرة على تحقيق الاستقرار في البلاد خلال لحظة شديدة الهشاشة

الهندسة السياسية وصعود السلطة الطائفية

أدى تشكيل مجلس الحكم العراقي والحكومات الانتقالية اللاحقة إلى ترسيخ هذا النظام الجديد
فمجلس الحكم العراقي، الذي أنشأته سلطة الائتلاف المؤقتة، قُدِّم على أنه خطوة نحو حكم تمثيلي
لكن في الواقع، كانت صلاحياته محدودة، وشكّل البداية الرسمية لإدخال نظام سياسي قائم على المحاصصة الطائفية والإثنية
ومنذ البداية، كان الاتجاه واضحاً
إذ تم توزيع السلطة وفق الانتماءات الطائفية والقومية، مما رسّخ الانقسام داخل أسس النظام الجديد
وبدلاً من تعزيز التماسك الوطني، شجع هذا الهيكل على التنافس، حيث سعت كل مجموعة إلى تأمين النفوذ والموارد لصالحها
والنتيجة كانت بيئة سياسية يطغى عليها الصراع أكثر من الحكم، حيث أصبح الحفاظ على التوازن بين الفصائل أهم من تحقيق التقدم الحقيقي
أما الشخصيات التي أُوكل إليها قيادة هذه المرحلة، فقد جاءت في معظمها من جماعات عرّفت نفسها كمعارضة عراقية، وكان كثير منهم قد أمضى سنوات طويلة خارج البلاد
لكن داخل العراق، لم تكن هذه الشخصيات معروفة لدى شريحة واسعة من السكان، كما أن نواياها لم تكن دائماً واضحة
ومع مرور الوقت، حتى بعض الشخصيات داخل هذه الدوائر بدأت بالنأي بنفسها، مشيرة إلى الانقسامات الداخلية، والفساد، وتضارب الولاءات الخارجية
ثم جرى تشكيل الحكومة العراقية المؤقتة لتحل محل سلطة الائتلاف المؤقتة، مع تعيين إياد علاوي رئيساً للوزراء
ورغم هذا الانتقال السياسي، لم تتوقف المقاومة
فقد ظهرت خلال هذه المرحلة جماعات وفصائل متعددة، بعضها ضم مقاتلين محليين، وأخرى تشكلت من عناصر الجيش العراقي السابق بعد حله، إضافة إلى بقايا حزب البعث
واستمرت هذه الجماعات في تنفيذ عمليات ضد القوات الأمريكية والدولة العراقية الجديدة
كما كشفت محطات مفصلية، مثل معارك الفلوجة وانتفاضة مقتدى الصدر، الذي مثّل شريحة من الشيعة، حجم وتعقيد الصراع القائم
وقد واجهت الولايات المتحدة، إلى جانب القوات الأمنية العراقية الجديدة، هذه الحركات بالقوة الكاملة
لكن في الواقع، كانت العديد من هذه القوات خاضعة بشكل كبير لتأثير الميليشيات، أو جرى تشكيلها مباشرة من قبل جماعات تحمل ولاءات طائفية، وفي كثير من الحالات مرتبطة بإيران
وخلال هذه التحولات، أصبح واضحاً بشكل متزايد للكثير من العراقيين إلى أين تتجه البلاد
فاللغة والخطاب اللذان استخدمتهما الطبقة السياسية الجديدة عززا الانقسام، من خلال تصوير العراق أساساً ككيان شيعي وسني وكردي، مما عمّق الشروخ التي ستصبح لاحقاً السمة الأساسية لدولة ما بعد ٢٠٠٣
ثم جاء إبراهيم الجعفري، أحد أبرز قيادات حزب الدعوة، وهو حزب ارتبط لفترة طويلة بعلاقات وثيقة مع إيران
وخلال هذه المرحلة، أصبحت أنماط الإقصاء أكثر وضوحاً
فعبر مؤسسات الدولة، والجيش، والمناصب الوزارية الأساسية، لم يكن التمثيل متوازناً
وشعرت شرائح واسعة من السنة بأنها مهمشة ومبعدة عن مواقع النفوذ والسلطة
ولم يكن ذلك مجرد اختلال سياسي
بل كانت له نتائج أوسع
إذ دفع مجتمعات كاملة بعيداً عن الدولة العراقية الجديدة، وأضعف أي شعور بالانتماء إليها، وعزز الانطباع بأن النظام لم يُصمم لتمثيلهم
وبالنسبة للسنة بشكل خاص، تُرجم ذلك إلى إقصاء ممنهج من المناصب السياسية، ومن المؤسسة العسكرية، ومن المشاركة الحقيقية في صنع القرار
وعلى عكس المرحلة السابقة في عهد إياد علاوي، الذي كان يُنظر إليه غالباً على أنه أقل طائفية بشكل علني، والذي واجه حركات المقاومة في الجبهتين السنية والشيعية، شهدت مرحلة إبراهيم الجعفري تحولاً واضحاً
فأصبح الإقصاء أكثر حدة، كما اتجه الخطاب السياسي بشكل متزايد نحو الانقسام
وبدأت تظهر روايات، سواء في الخطاب السياسي أو عبر وسائل الإعلام، تقدّم الوضع باعتباره تصفية حسابات تاريخية، خصوصاً فكرة انتقام الشيعة من قرون من الحكم السني
ولم تكن هذه الرسائل معزولة
بل جرى تكرارها وتعزيزها عبر شبكة إعلامية متنامية مرتبطة بالأحزاب السياسية والميليشيات
ومع مرور الوقت، أُعيد إحياء الروايات الطائفية التاريخية وتضخيمها، حتى أصبحت جزءاً راسخاً من الخطاب السياسي المعاصر
وقد تصاعد هذا المناخ بشكل أكبر لاحقاً في عهد نوري المالكي

اجتثاث البعث كأداة للسيطرة

ما بدأ كسياسة لإزالة عناصر النظام السابق، تحول مع الوقت إلى آلية للقمع
فأصبحت عملية اجتثاث البعث: مبرراً للاعتقالات الجماعية، وأداة لإسكات المعارضة، وتهمة تُستخدم على نطاق واسع ضد كل أشكال الاعتراض
ومع مرور الوقت، بدأ مصطلح “البعثي” نفسه يتغير في معناه
فلم يعد يُستخدم فقط بمعناه السياسي، بل أصبح يرتبط بشكل متزايد بالهوية السنية، وهو ما جرى تعزيزه عبر الخطاب الإعلامي، واللغة السياسية، وطريقة تطبيق هذه السياسات على الأرض
وقد استُهدفت مناطق كاملة
وأصبحت عمليات التهجير، والاعتقال، والعقاب الجماعي، ظواهر واسعة الانتشار
ورغم أن الشيعة تعرضوا أيضاً للاستهداف في بعض الحالات عندما عارض أفراد منهم النظام، فإن التركيز الأساسي لهذه الإجراءات كان موجهاً نحو المناطق السنية
كما حلّت لغة “الإرهاب” محل الخلاف السياسي
فلم يعد يُنظر إلى المعارضة باعتبارها رأياً أو موقفاً سياسياً، بل جرى تصنيفها وتجريمها
ورغم أن إطار اجتثاث البعث أُدخل في البداية تحت سلطة الاحتلال الأمريكي، فإنه سرعان ما تم تبنيه وتوسيعه من قبل الفصائل المهيمنة داخل النظام السياسي الجديد والميليشيات التابعة لها
واستخدم لتبرير اعتقال عشرات الآلاف من المدنيين، وغالباً من دون أساس قانوني واضح، وهو ما لا يزال مستمراً حتى اليوم
وعملياً، خلق ذلك نهجاً شاملاً قائماً على الشبهة الجماعية
فقد عوملت مجتمعات كاملة باعتبارها موضع شك، وأصبحت مجرد الاتهامات كافية في كثير من الأحيان لتبرير الاعتقال أو الإقصاء
كما أصبح وصف الأفراد بأنهم “بعثيون” أو “إرهابيون” وسيلة شائعة لإسكات المعارضين، وهو نمط لا يزال مستمراً بطرق مختلفة حتى اليوم
كما استُخدمت عمليات التهجير القسري والتغيير الديموغرافي كأدوات للسيطرة
فقد جرى دفع السكان خارج بعض المناطق بهدف ترسيخ النفوذ، وهي ممارسات نفذتها أطراف متعددة، بما في ذلك ميليشيات مرتبطة بالفصائل السياسية، وكذلك قوات كردية في الشمال

حقبة المالكي: ترسيخ السلطة عبر الانقسام

شكّلت فترة حكم نوري المالكي مرحلة حاسمة في ترسيخ هذا النظام
ففي عهد المالكي، أصبحت السلطة أكثر تمركزاً داخل كتلة سياسية ذات طابع طائفي
كما تعرض خصومه السياسيون، وخصوصاً القيادات السنية، للاعتقال أو التهميش، بينما جرى تجاوز المؤسسات الأمنية الأساسية أو إعادة تشكيلها بما يخدم سيطرة السلطة التنفيذية
كما وُجهت إلى حكومته اتهامات متكررة بالسماح للميليشيات بتوسيع نشاطها، بالتوازي مع إنشاء هياكل أمنية موازية
وأصبحت الآليات الخارجة عن إطار القانون سمة بارزة لهذه المرحلة
فقد عملت وحدات مرتبطة مباشرة بمكتب رئيس الوزراء، والتي أُشير إليها أحياناً باسم “فرق الاعتقال”، خارج الأطر القانونية الرسمية
وشملت الاتهامات الموجهة لهذه الوحدات الاعتقال التعسفي، والاستهداف السياسي، وغياب أي رقابة قضائية فعلية
وفي الوقت نفسه، تعرضت مؤسسات الدولة، وخصوصاً وزارة الداخلية، لاختراق واسع من قبل جماعات الميليشيات
وتحت غطاء رسمي، ارتبطت هذه القوى على نطاق واسع بعمليات الخطف، والإخفاء القسري، والقتل على أساس طائفي

محاكمة صدام حسين

ساهمت محاكمة وإعدام صدام حسين في ترسيخ الانطباعات الطائفية بشكل أكبر
فقد اعتُبرت العملية على نطاق واسع ذات طابع سياسي
إذ جرى استبدال قضاة تحت الضغط، وتجاوز إجراءات قانونية، كما تزامن تنفيذ الإعدام مع عيد الأضحى، وهي مناسبة ترتبط تقليدياً في المنطقة بالعفو والتسامح
كما زادت المحاولات اللاحقة لتصوير توقيت الإعدام على أنه مجرد مصادفة، بما في ذلك الجدل حول اختلاف يوم العيد بين السنة والشيعة، من غضب الرأي العام
ثم جاء تسريب فيديو مصور بهاتف محمول من داخل غرفة الإعدام ليزيد هذه التصورات حدة
فقد أظهر المقطع حراساً، قيل إنهم مرتبطون بدوائر مقربة من نوري المالكي أو بميليشيات حليفة، وهم يوجهون الإهانات لصدام حسين أثناء وقوفه على منصة الإعدام، ويرددون اسم مقتدى الصدر
وقد عززت مشاهد الفيديو وأجواؤه الانطباع بأن الإعدام لم يُنفذ باعتباره إجراءً قضائياً محايداً، بل كلحظة مشحونة بالرمزية الطائفية
وبدلاً من أن يشكل الإعدام لحظة إغلاق وطني للمرحلة السابقة، أدى إلى تعميق الانقسامات وتعزيز الاعتقاد بأن العملية كانت مدفوعة بالرمزية الطائفية بقدر ما كانت مدفوعة بفكرة العدالة
وخلال السنوات التي تلت ذلك، ترك هذا الانطباع آثاراً طويلة الأمد
فبالنسبة لكثيرين، لم يعد يُنظر إلى صدام حسين من خلال مجمل فترة حكمه، بل من خلال الطريقة التي قُدمت بها لحظاته الأخيرة، باعتباره بطلاً
وفي الوقت نفسه، دفعت الإخفاقات المستمرة في الحكم، واستمرار الانقسامات تحت النظام السياسي الذي تأسس بعد 2003، الكثير من العراقيين إلى إعادة تقييم تلك المرحلة
ومع تزايد الإحباط، بدأ شعور بالندم يظهر لدى شرائح من المجتمع، وازدادت الأصوات التي تعبر علناً عن تأييدها لإرث صدام حسين
ولا يزال هذا الشعور يظهر حتى اليوم، ليس بوصفه حكماً تاريخياً موحداً، بل كرد فعل على الواقع الذي أعقب سقوط النظام
ولم تكن هذه النتيجة عرضية
فالطريقة التي نُفذ بها الإعدام وتم تقديمه إعلامياً ساهمت في ترسيخ الانقسام بدلاً من تجاوزه

من الصراع الأهلي إلى الجمود الهيكلي

بحلول أوائل العقد الثاني من الألفية، أصبحت النتائج واضحة
فالهوية الطائفية حلّت محل الهوية الوطنية، وتحولت المنافسة السياسية إلى صراع صفري، بينما فقدت المؤسسات حيادها
وقد ساهمت هذه الديناميكيات بشكل مباشر في خلق حالة من عدم الاستقرار، بما في ذلك الظروف التي سمحت لتنظيمات متطرفة مثل داعش بالظهور والتوسع
تشرين: رفض النظام
في عام ٢٠١٩، تحدّى جيل جديد هذا البناء بأكمله
فحركة تشرين لم تكن طائفية، بل كانت رفضاً للطائفية نفسها
وكان شعارها المركزي، “نريد وطناً”، يعكس تحولاً واضحاً: الابتعاد عن السياسة القائمة على الهويات، والاتجاه نحو المواطنة، والسيادة، وبناء دولة حقيقية
ونزل الشباب العراقي إلى الشوارع في مختلف أنحاء البلاد، معلنين رفضهم العلني للنظام السياسي، ولرموزه الأساسية، وللتأثيرات الخارجية، خصوصاً الإيرانية والأمريكية، التي اعتبروها جزءاً من استمرار هذا النظام
ولم تكن تلك مجرد احتجاجات رمزية
بل كانت تحدياً مباشراً لأسس النظام الذي تشكل بعد عام ٢٠٠٣
وكان كثير ممن شاركوا يدركون حجم المخاطر، ومع ذلك استمروا
لكن الرد كان عنيفاً
فقُتل الآلاف، وأُصيب الآلاف، كما تعرض الناشطون بشكل ممنهج لعمليات اغتيال، وترهيب، وإخفاء قسري

الواقع اليوم: انقسام بلا قناعة

ما يلفت الانتباه اليوم هو أن كثيراً من العراقيين، على المستوى المجتمعي، وخصوصاً في مدن مثل بغداد، تجاوزوا التفكير الطائفي إلى حد كبير
ومع مرور الوقت، أصبح واضحاً لشرائح واسعة من السكان كيف استُخدمت الانقسامات الطائفية من قبل القوى السياسية للحفاظ على السلطة
كما أصبح هناك وعي أوسع بكيفية صناعة هذه الانقسامات واستمرارها، إلى جانب تزايد الرفض للروايات التي هيمنت على الحياة العامة لسنوات
لكن النظام نفسه لم يتطور بالطريقة ذاتها
فهو لا يزال يعتمد على هذه الانقسامات، ومن دونها سيجد صعوبة في الاستمرار والحفاظ على بنيته الحالية
أما في المناطق الريفية والمناطق الأكثر هشاشة اقتصادياً، فما تزال الروايات الطائفية أكثر حضوراً واستمراراً
ويجري تعزيزها عبر الفقر، والاعتماد على الشبكات السياسية، واستمرار خطاب النخب الحاكمة، وضعف الوصول إلى التعليم
وفي هذا السياق، لا يُعتبر الانقسام أمراً عرضياً
بل يؤدي وظيفة واضحة: الحفاظ على الطبقة السياسية واستمرارها

الخوف كقيد أخير

أقوى عامل يحافظ على النظام الحالي ليس الأيديولوجيا، بل الخوف
فبالنسبة لكثير من الشيعة، هناك خوف من الفوضى أو من احتمالية الانتقام
وبالنسبة لكثير من السنة، يبقى القلق قائماً من القمع والعقاب الجماعي
أما بالنسبة للأكراد، فتكمن المخاوف في فقدان الحكم الذاتي والمكاسب التي تمكنوا من تحقيقها خلال السنوات الـ23 الماضية
ويخلق هذا الخوف المتبادل حالة من الشلل
فهو يحد من مساحة العمل الجماعي، ويساعد في تفسير سبب بقاء التغيير الحقيقي من داخل العراق أمراً بالغ الصعوبة

ما الذي يأتي بعد ذلك

التغيير في العراق أمر لا مفر منه، لكن مصدر هذا التغيير هو ما يهم
فالتدخل الخارجي سبق أن أعاد تشكيل البلاد مرة واحدة، وترك آثاراً طويلة الأمد
وأي تحول مستقبلي يجب أن يأتي من الداخل، بقيادة أولئك الذين عاشوا واقع العراق بكل تفاصيله
فالتحدي الأساسي لا يقتصر على الإصلاح السياسي وحده
بل يتمثل في تفكيك نظام بُني على الانقسام، وإعادة بناء هوية وطنية مشتركة
وهذا يتطلب رفض الأطر الطائفية، وإعادة ترسيخ حياد المؤسسات، واستبدال الولاءات الخارجية بالمصلحة الوطنية
ولن يكون ذلك سهلاً
لكن التحولات الإقليمية، إلى جانب تنامي الوعي داخل العراق، تشير إلى أن التغيير لم يعد مسألة “إذا”، بل “متى”
كما أن التطورات الجارية في المنطقة، بما في ذلك تغير موازين القوى، توحي بأن المنطقة تتجه نحو مرحلة انتقالية جديدة
لكن هذه المرة، يجب أن يأتي التغيير من الداخل، من دون تكرار أخطاء الماضي

ملاحظة ختامية

لا يبدو أن مسار العراق بعد عام ٢٠٠٣ كان أمراً عشوائياً
فالبُنى، والقرارات، والنتائج، جميعها تشير إلى اتجاه واحد:
الانقسام لم يكن نتيجة جانبية
بل كان جزءاً من التصميم نفسه
وإلى أن تتم مواجهة هذا التصميم، سيبقى العراق مقيداً به

Iraq Business Journal

14th of April, 2026

العودة إلى قسم العربية