الاقتصاد العراقي لم يتم تصميمه ليحقق النجاح

Photo by A. C. on Unsplash
غالباً ما تُعزى الأزمات الاقتصادية في العراق إلى فشل السياسات، أو الفساد، أو سوء الإدارة
ورغم أن جميع هذه العوامل تلعب دوراً، فإنها لا تفسر الواقع بشكل كامل
فالمشكلة الأعمق هي مشكلة هيكلية
فالاقتصاد العراقي لا يعاني فقط من ضعف الأداء، بل إنه يعمل إلى حد كبير بالطريقة التي تم تصميمه ليعمل بها بعد عام 2003
فما تلا ذلك كان إنشاء سوق ضعيف يعتمد على الاستيراد، وهو نموذج أثبت أنه مفيد للغاية للدول المجاورة، التي وجدت في العراق قاعدة استهلاكية ضخمة لبضائعها ووسيلة لتعزيز نفوذها
ومن خلال هذا التصميم، تم دمج العراق ضمن نظام اقتصادي إقليمي استفادت منه الدول الأخرى أكثر بكثير مما استفاد العراق نفسه
وبالنظر إلى ما حدث لاحقاً، فقد حققت الدول المجاورة مكاسب كبيرة من نظام ما بعد 2003، وربما كان ذلك جزءاً مما تم الاتفاق عليه مع الولايات المتحدة قبل الغزو
وما يبدو اليوم على أنه فشل هو، في كثير من النواحي، النتيجة الطبيعية لنظام بُني على البقاء السياسي لا على التنمية الاقتصادية
فهيكل الدولة بعد 2003 شجّع على الاعتماد لا على الإنتاج
فتحول بلد غني بالموارد إلى دولة تعتمد بشكل شبه كامل على عائدات النفط لتمويل رواتب قطاع عام متضخم
وقد خلق ذلك آلية يمكن من خلالها إدارة السكان عبر التوزيع المالي
وبعبارة أبسط، أصبحت الدولة هي الجهة التي تدفع الرواتب للجميع
وساعد هذا الاعتماد على الحفاظ على الولاء السياسي، أو على الأقل القبول السياسي، بينما جرى تجاهل أو تحمل الفساد، والولاءات الخارجية، ونفوذ الميليشيات، والانهيار المستمر للخدمات العامة

وهم الثروة

يمتلك العراق بعضاً من أكبر احتياطيات النفط في العالم، ويحقق عشرات المليارات من الدولارات سنوياً من الإيرادات
وهذا يخلق انطباعاً بوجود قوة اقتصادية وإمكانات طويلة الأمد، لكن الواقع مختلف تماماً
فهذه الثروة شديدة التركز
ولا يزال الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل شبه كامل على صادرات النفط
فالدولة تجمع الإيرادات، وتوزع الرواتب، وتموّل العمليات الأساسية
وخارج هذه الدورة، يبقى النشاط الاقتصادي الإنتاجي محدوداً
ومنذ عام 2003، تغلغل الفساد بعمق داخل مالية الدولة، مساهماً في التراجع المستمر للخدمات العامة
فالفصائل السياسية تحصل على حصتها، والميليشيات تحصل على حصتها، كما تستفيد الأطراف الخارجية عبر النفوذ، والعقود، والعلاقات الاقتصادية
وقد تم تحويل موارد ضخمة كان من الممكن أن تُوجَّه نحو التنمية الوطنية إلى جهات أخرى
والنتيجة هي دولة تحقق إيرادات هائلة، لكنها تكافح لتوفير حتى أبسط معايير الإدارة والخدمات
فالمياه، والكهرباء، والرعاية الصحية، والتعليم، وغيرها من الخدمات الأساسية، لا تزال إما ضعيفة بشكل مزمن، أو تعيش أزمات مستمرة، أو غير موجودة أساساً في العديد من مناطق العراق
وهذا ليس اقتصاداً متنوعاً
بل هو نظام ريعي، تُشتق فيه الإيرادات أساساً من الموارد الطبيعية، لا من إنتاج اقتصادي محلي واسع ومتعدد القطاعات

اقتصاد تتمحور فيه الدولة حول كل شيء

تُعد الدولة العراقية الفاعل الاقتصادي المركزي في البلاد
فالملايين من العراقيين يعملون بشكل مباشر أو غير مباشر لدى الحكومة
وتشكّل الرواتب، والتقاعد، والإنفاق العام، العمود الفقري للحياة الاقتصادية
وبالنسبة للكثير من العائلات، لا تُعتبر الدولة مجرد جهة تنظيمية، بل المصدر الأساسي للدخل
وحتى بداية عام 2026، يُقدَّر أن الحكومة العراقية والمؤسسات العامة توظف نحو 4.2 مليون شخص
وعند إضافة المتقاعدين ومستفيدي الرعاية الاجتماعية، يرتفع عدد المواطنين الذين يعتمدون بشكل مباشر على الدولة للحصول على دخل شهري إلى نحو 10.5 مليون شخص، أي ما يقارب ربع عدد السكان
ووفقاً لتقديرات محلية، يشمل ذلك حوالي 2.5 مليون موظف مدني، و1.75 مليون شخص في قطاعات الأمن والدفاع، بما في ذلك وزارتي الدفاع والداخلية، إضافة إلى تشكيلات الحشد الشعبي، إلى جانب نحو 3 ملايين متقاعد، و3.3 مليون مواطن يتلقون دعماً من برامج الرعاية الاجتماعية
وتكلفة الحفاظ على هذا النظام هائلة
ففي عام 2025، أنفق العراق، بحسب التقارير، نحو 46 مليار دولار على الرواتب وحدها
كما يُقدَّر أن الرواتب العامة، والتقاعد، والتزامات الرعاية الاجتماعية، تستهلك ما يقارب ثلاثة أرباع الموازنة السنوية للدولة
ويستحوذ القطاع العام أيضاً على نسبة كبيرة من إجمالي التوظيف، رغم استمرار المخاوف المتعلقة بعدم الكفاءة، والتكرار الوظيفي، والتضخم الإداري
وغالباً ما خدم تضخم أعداد الموظفين أهدافاً سياسية بقدر ما خدم أهدافاً اقتصادية
وبحسب تقديرات البنك الدولي، فإن متوسط ما ينتجه الموظف الحكومي من العمل الفعلي لا يتجاوز 17 دقيقة يومياً
ثم هناك قضية “الفضائيين” أو الموظفين الوهميين، وهم أشخاص مدرجون على قوائم الرواتب لكنهم إما غير موجودين أصلاً أو لا يعملون فعلياً
وتتفاوت التقديرات بشأن أعدادهم بين 300 ألف و1.8 مليون شخص، لكن يُعتقد أن هذه الممارسة حوّلت مبالغ ضخمة نحو مسؤولين فاسدين، وشبكات سياسية، وجهات مرتبطة بالميليشيات، ولا تزال مستمرة حتى اليوم
وهذا يجعل العراق شديد التأثر بتقلبات أسعار النفط العالمية، التي لا تزال تموّل الغالبية الساحقة من إيرادات الدولة
فأي تراجع في أسواق الطاقة سيضع ضغطاً فورياً على قدرة الدولة على الاستمرار في دفع الرواتب والمزايا
وفي الوقت نفسه، استخدمت الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 التوظيف الجماعي بشكل متكرر كأداة لتحقيق الاستقرار الاجتماعي
وبين عامي 2023 و2024 وحدهما، أُضيف أكثر من مليون موظف جديد إلى قوائم الرواتب بحسب التقارير
:وهذا يخلق حلقة اعتماد متبادلة
المواطنون يعتمدون على الدولة في معيشتهم
الدولة تعتمد على إيرادات النفط
الفاعلون السياسيون يعتمدون على السيطرة على الدولة
والنتيجة هي اقتصاد تصبح فيه الإنتاجية مسألة ثانوية مقارنة بالتوزيع المالي

غياب قطاع خاص حقيقي

في معظم الاقتصادات التي تعمل بشكل طبيعي، يقود القطاع الخاص النمو، والابتكار، والتوظيف
فهو المحرك الأساسي للتوسع الاقتصادي، من خلال خلق الوظائف، وتوليد الإيرادات الضريبية، وتوسيع قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة ودعم الفئات المحتاجة
أما في العراق، فلا يزال هذا القطاع ضعيفاً ومقيداً
وكانت النتيجة مفيدة للغاية للدول الإقليمية والشركات الأجنبية
فالعراق، الذي يزيد عدد سكانه عن 45 مليون نسمة، تحول إلى سوق استهلاكي ضخم مع منافسة محلية محدودة واعتماد كبير على الاستيراد
وفي الواقع، خلق ذلك فرصاً للآخرين أكثر بكثير مما خلق قدرة إنتاجية داخل العراق نفسه
:وتواجه الشركات عقبات مستمرة
البيروقراطية والتعقيدات الإدارية
الفساد والمدفوعات غير الرسمية
ضعف الحماية القانونية
القوانين والأنظمة غير المتوقعة
المنافسة من جهات مرتبطة سياسياً
وفي كثير من الحالات، يتحدد النجاح بدرجة أقل بالكفاءة أو الابتكار، وبدرجة أكبر بمن تعرف، وأي الشبكات تنتمي إليها، ومن يستطيع أن يوفر لك الحماية أو النفوذ
وهذا يفسر جزئياً لماذا اختارت العديد من الشركات العراقية تأسيس أعمالها خارج البلاد، في دول مثل الأردن، وتركيا، والإمارات العربية المتحدة، مع الاحتفاظ بمكاتب تمثيلية داخل العراق
فالعمل بهذه الطريقة غالباً ما يوفر مستوى أكبر من الأمان، وبنية تحتية أقوى، ووصولاً أسهل إلى القنوات المصرفية والتجارية الدولية مقارنة بالعمل الكامل من داخل العراق
ولهذا تبعات أوسع
فرؤوس الأموال تتجه إلى الخارج بدلاً من إعادة استثمارها محلياً
كما أن فرص العمل التي كان يمكن خلقها داخل العراق تُولد في أماكن أخرى
ومع مرور الوقت، يحد ذلك من النمو الحقيقي ويضعف القاعدة الإنتاجية للبلاد
كما أن البيئة الحالية تثبط ريادة الأعمال الحقيقية والاستثمار طويل الأمد
فعندما تكون القوانين غير مستقرة والمؤسسات ضعيفة، فإن المستثمرين الجادين إما يؤجلون قراراتهم أو يتجهون إلى أماكن أخرى
ولعبت القيود المستمرة المفروضة على أجزاء من القطاع المالي العراقي دوراً مهماً أيضاً
فبينما تم تقديم العديد من الإجراءات بهدف الحد من الفساد، وغسل الأموال، والتمويل المرتبط بالميليشيات، فإن الأثر الأوسع كان في كثير من الأحيان تقييد النشاط المشروع للقطاع الخاص أيضاً
وفي المقابل، تمكنت الجهات السياسية والتجارية الأكثر ارتباطاً بالنفوذ من إيجاد طرق للالتفاف على هذه القيود أو تجاوزها، غالباً عبر شبكات إقليمية، بينما تحملت الشركات العادية العبء الأكبر
والنتيجة هي قطاع خاص لا يزال مقيداً من الأعلى، ومضغوطاً من الداخل، وغير قادر على أداء الدور الذي يفترض أن يؤديه في اقتصاد طبيعي

الفساد كنظام، لا كنتيجة جانبية

غالباً ما يتم وصف الفساد في العراق على أنه مشكلة تحتاج إلى حل
لكن في الواقع، يعمل الفساد كآلية أساسية داخل النظام نفسه
فالأموال العامة تتحرك عبر طبقات من الإدارة، والعقود، وشبكات المحسوبية، والنفوذ السياسي
وغالباً ما يتم توزيع الموارد وفقاً للانتماءات السياسية، والمصالح المتفاوض عليها، وأولويات الفصائل المختلفة
والفساد لا يقتصر على مستوى واحد داخل الدولة
بل يمتد من الدوائر الإدارية الدنيا وصولاً إلى الوزارات والمؤسسات السياسية العليا
ومع مرور الوقت، أصبح جزءاً متجذراً في طريقة عمل الحكم نفسه
ولم ينشأ هذا بشكل منفصل أو عشوائي
بل تطور داخل نظام كانت فيه الولاءات تُكافأ بشكل متكرر عبر الوصول إلى المال، والنفوذ، والحماية
وفي كثير من الحالات، تحوّل الولاء بعيداً عن الدولة والخدمة العامة، باتجاه المصالح الشخصية والشبكات السياسية
وهذا ليس أمراً عشوائياً
بل يعكس الحوافز التي خلقها النظام نفسه
:وفي هذا السياق، يؤدي الفساد عدة وظائف
الحفاظ على التحالفات السياسية
توزيع المنافع بين الفصائل المختلفة
تعزيز الولاء داخل النظام الحاكم
المساعدة في الحفاظ على الصمت والاعتماد
وأي محاولات للقضاء على الفساد من دون معالجة هذه الحوافز الأساسية محكوم عليها بالفشل

النفط والاقتصاد السياسي للسيطرة

وبما أن الدولة تسيطر على هذه الإيرادات، فإن السيطرة على الدولة تصبح الهدف الأساسي للتنافس السياسي
وخلال السنوات التي تلت غزو عام 2003، سمحت فترات عدم الاستقرار وضعف السلطة المركزية لمجموعات مسلحة مختلفة، وفصائل سياسية، وشبكات نفوذ، بالوصول إلى أجزاء من قطاع الطاقة ومصادر الإيرادات المرتبطة به
ومع مرور الوقت، أُعيدت مركزية صناعة النفط الرسمية تدريجياً تحت سلطة الدولة، لكن شبكات المصالح غير المشروعة، والمحسوبية، وعمليات التهريب استمرت بالتوازي
ولا تزال التقارير خلال السنوات الأخيرة تسلط الضوء على كيفية استفادة الجماعات المسلحة والأطراف الخارجية من شبكات تهريب النفط وتحويل الإيرادات المرتبطة به
:وهذا يخلق معادلة قائمة على مبدأ الربح والخسارة المطلقة
الوصول إلى السلطة = الوصول إلى الموارد
خسارة السلطة = خسارة النفوذ الاقتصادي
ونتيجة لذلك، تصبح لدى الفاعلين السياسيين حوافز قوية للحفاظ على البنية الحالية بدلاً من إصلاحها بشكل جذري
فأي اقتصاد منتج وشفاف فعلياً سيقلل من قيمة السيطرة السياسية على الريع الذي توفره الدولة
وفي هذا السياق، يصبح الإصلاح الاقتصادي أمراً غير مرغوب فيه سياسياً

لماذا تفشل محاولات الإصلاح

شهد العراق دعوات متكررة للإصلاح الاقتصادي: تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، وتقوية القطاع الخاص، وتقليل الاعتماد على التوظيف الحكومي
لكن هذه المطالب غالباً ما تُكرر كشعارات، بما في ذلك من قبل شخصيات معروفة على نطاق واسع بارتباطها بالفساد نفسه الذي تدّعي معارضته
وليس من النادر أن نرى فاعلين سياسيين معروفين يتحدثون بلغة الإصلاح، بينما يواصلون الاستفادة من النظام القائم
وفي بعض الحالات، حتى الشخصيات المرتبطة بالفساد والنظام نفسه، أعلنت تأييدها العلني للتظاهرات المناهضة للفساد، مع الحفاظ في الوقت ذاته على البنى التي تسمح باستمراره
فمشكلات الاقتصاد العراقي لا تعود إلى غياب الوعي
فنقاط الضعف الهيكلية مفهومة على نطاق واسع
لكن ما ينقص هو الإرادة السياسية
فالمشكلة الأساسية تكمن في الحوافز
:فأي إصلاح حقيقي يتطلب، كحد أدنى
تقليل سيطرة الدولة على الموارد
الحد من وصول القوى السياسية إلى قنوات التمويل
إعادة هيكلة أنظمة التوظيف المتضخمة
زيادة الشفافية والمساءلة
لكن كل واحدة من هذه الخطوات تصطدم بشكل مباشر بمصالح الطبقة السياسية
فهذه التغييرات تهدد أسس النظام الحالي، ومعه مصالح السياسيين، والميليشيات، والشركات الأجنبية، والحكومات المجاورة التي لا تزال تؤثر في مسار العراق

النتائج الاجتماعية

للبنية الاقتصادية آثار اجتماعية مباشرة
فالبطالة المرتفعة، خصوصاً بين الشباب، لا تزال تمثل مشكلة مستمرة
ويدخل الكثير من الخريجين إلى نظام غير قادر على استيعابهم بشكل منتج، مما يؤدي إلى الإحباط، وهدر الطاقات، وتزايد الشعور بخيبة الأمل
وفي الوقت نفسه، يعزز الاعتماد على الدولة حالة من السلبية والاتكالية
فالفرص غالباً ما ترتبط بدرجة أقل بالكفاءة، وبدرجة أكبر بالعلاقات الشخصية، أو الانتماء السياسي، أو القدرة على الدفع، مما يساهم في تعميق الفساد أكثر
ومن المعروف على نطاق واسع داخل العراق أن بعض العائلات تقوم بتوفير الأموال أو الاقتراض بشكل كبير من أجل دفع رشاوى لوسطاء أو مسؤولين مقابل الحصول على فرص عمل داخل القطاع العام
وهذا يخلق دائرة من الفرص المحدودة والاعتماد المتزايد على الدولة
فتصبح الولاءات أكثر قيمة من الكفاءة، وكلما استمر هذا النظام لفترة أطول، ازدادت قدرته على تأمين الدعم والاستمرار
ومع مرور الوقت، يؤدي ذلك إلى تآكل الثقة بالاقتصاد وبالنظام السياسي الذي يحافظ عليه
وإذا تعرض هذا النموذج لضغط مالي حاد، فقد تكون النتائج الاجتماعية خطيرة
فالنظام القائم على التوزيع لا يستطيع بسهولة امتصاص الصدمات الاقتصادية الطويلة
كما أن البطالة المستمرة وعلى نطاق واسع يمكن أن تضر بالمجتمع بطرق متعددة
فهي قد تساهم في ارتفاع معدلات الجريمة، وتعميق الإحباط الاجتماعي، ودفع فئات من الشباب نحو الميليشيات، والجماعات المسلحة، أو شبكات البقاء غير الرسمية الأخرى
بينما قد يسعى آخرون إلى مغادرة البلاد بالكامل
كما أن الهجرة الواسعة تحمل تكاليف طويلة الأمد خاصة بها
فهي تستنزف رأس المال البشري، وتقلل من عدد العمال والرواد المنتجين، وتترك خلفها اقتصاداً محلياً أضعف وأكثر اعتماداً على الدولة والمصالح المتجذرة
وقد توسع الفساد عبر جميع مستويات المجتمع، كما أظهرت السنوات الـ23 الماضية بوضوح

الاستقرار من دون تنمية

رغم كل هذه التحديات، حافظ العراق على درجة معينة من الاستقرار، لكن ذلك تحقق إلى حد كبير عبر التوزيع المالي لا عبر التنمية الحقيقية
لكن هذا الاستقرار هش
فهو قائم على استمرار تدفق إيرادات النفط، ودفع الدولة للرواتب والمخصصات، والحفاظ على التوازن السياسي القائم
وأي إجراءات أو تحركات يُنظر إليها على أنها تهدد النظام غالباً ما يتم احتواؤها أو مواجهتها بسرعة
كما أن المجال العام، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي، يخضع لمراقبة مستمرة، وهو ما يعكس حساسية النظام الحاكم تجاه أي معارضة منظمة
لكن السؤال الأعمق هو: ماذا سيحدث إذا تعرضت إيرادات النفط لاضطراب حقيقي؟
لقد أظهرت التوترات الإقليمية الأخيرة، بما في ذلك المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، مدى هشاشة هذا النموذج واعتماده الكبير على الاستقرار الخارجي
كما سلطت المخاوف المتعلقة بأمن مضيق هرمز الضوء على مدى اعتماد العراق على استمرار صادرات الطاقة من دون انقطاع
وخلال مثل هذه الأزمات، يتحول النقاش العام سريعاً نحو الرواتب، وتأخر المدفوعات، وتقليص الإنفاق، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها
وهذا وحده يكشف هشاشة النظام الحالي
فطالما استمرت الإيرادات بالتدفق، يستمر النظام بالبقاء
وهذا ما يمكن وصفه بتوازن مُدار بعناية

ماذا يتطلب التغيير الحقيقي

إن أي تغيير اقتصادي حقيقي في العراق يتطلب أكثر من مجرد تعديلات في السياسات
فالتغيير الفعلي يعني تقليل الاعتماد على النفط، وفتح المجال أمام نمو قطاع خاص مستقل، وإنشاء أطر قانونية ومؤسساتية تدعم الاستثمار والتنمية، وفصل الإدارة الاقتصادية عن نظام المحسوبية السياسية
وهذه ليست سوى بعض الإصلاحات التي يمكن أن تضع العراق على مسار أكثر استدامة
لكن العقبة الأساسية تبقى سياسية
فالنظام الحاكم الحالي مرتبط بشكل عميق بالنظام نفسه الذي يفترض إصلاحه
كما أن العديد من شبكات النفوذ، والقوة، والبقاء، تعتمد على استمرار البنية الحالية
إضافة إلى ذلك، تواصل الحكومات المجاورة دعم النظام القائم لضمان بقائه مفيداً لها من الناحية المالية والسياسية
ولهذا السبب، من غير المرجح أن يظهر تغيير جذري بسهولة من داخل الوضع القائم
وهذه تحديات سياسية سيضطر الشعب العراقي إلى مواجهتها في المستقبل القريب: إما فرض التغيير، أو البقاء عالقين داخل دولة فاشلة
وفي النهاية، يحتاج العراق إلى أكثر من إصلاح تدريجي
إنه يحتاج إلى إعادة ضبط سياسية جذرية
فالبُنى، والحوافز، وترتيبات القوة التي تأسست بعد عام 2003 أصبحت متجذرة بعمق داخل اختلالات الدولة
وأي تقدم حقيقي قد يتطلب تفكيك جزء كبير مما تم بناؤه خلال تلك المرحلة، واستبداله بمؤسسات تقوم على السيادة، والمحاسبة، والمصلحة الوطنية

Iraq Business Journal

17th of April 2026

العودة إلى قسم العربية