نظام الإيرادات الخفي في العراق

يوصف العراق على نطاق واسع بأنه اقتصاد يعتمد على النفط
لكن هذه ليست سوى جزء من الحقيقة
توجد مصادر إيرادات عديدة أخرى تتدفق عبر مؤسسات الدولة العراقية، إلا أن الكثير منها يبقى دون تدقيق فعلي أو متابعة دقيقة وتشكل هذه التدفقات مصدراً مهماً لتمويل الأحزاب السياسية الفاسدة والجماعات المسلحة التي تهيمن اليوم على النظام القائم
لا تزال صادرات النفط الخام تمثل الغالبية الساحقة من الإيرادات الرسمية للدولة وتشير الأرقام بشكل متكرر إلى أن النفط يساهم بما يقارب 90٪ من دخل الحكومة، ما يؤدي إلى تركيز الانتباه بعيداً عن بقية مصادر الإيرادات الأخرى
وهذا ليس أمراً عشوائياً
فالتركيز شبه الكامل على النفط يسمح لبقية منظومة الإيرادات بالبقاء في الخلفية، بعيداً عن الرقابة والتدقيق، مع استمرار تدفق الأموال نحو الجهات التي تسيطر عليها
تحت الهيكل الرسمي للدولة توجد منظومة أكثر تعقيداً بكثير لتوليد الإيرادات، تمتد عبر الضرائب والرسوم والتراخيص والتدفقات التجارية والآليات الإدارية المختلفة
وهذا ليس سوى الجزء الظاهر
الى جانبه توجد طبقة أخرى من المدفوعات غير الرسمية، والرسوم غير المعلنة، وتدفقات الإيرادات الموازية وفي هذا المقال، يبقى التركيز على الهيكل الرسمي فقط، لأن حجم المشكلة يصبح واضحاً حتى ضمن هذا الإطار وحده
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هذه الإيرادات موجودة
بل أين تذهب، وكم كان يمكن أن تساهم به في دعم الدولة لو وُجد نظام مركزي فعّال لا تهيمن عليه شبكات الفساد، والمصالح السياسية الضيقة، والجماعات المسلحة
نظرياً، تُعتبر هذه الايرادات طبيعية لأي دولة تعمل بشكل سليم
لكن عملياً، فإنها تعمل بطريقة مختلفة تماماً
فهي تُطبق بشكل ضعيف، وتُستخدم بصورة انتقائية، وتُترك عمداً خارج نطاق التدقيق والمحاسبة
كما أن المؤسسات الرسمية والأرقام التي تعلنها أصبحت موضع تشكيك واسع فبيانات البطالة، واحتياطات العملة الأجنبية، وحركة التجارة، وتدفقات الإيرادات، كثيراً ما تفشل في عكس الواقع الحقيقي على الأرض
ويجري التقليل من حجم المشكلة باستمرار
تشكل هذه المصادر شبكة مجزأة من تدفقات الدخل، ضعيفة التتبع، وهشة التطبيق، ومبنية عمداً على الغموض
وهنا يبدأ الشكل الحقيقي للنظام بالظهور
فهم الاقتصاد العراقي لا يتعلق بالنفط فقط
بل يتعلق بكيفية تدفق الأموال داخل نظام أصبحت فيه السيطرة على الإيرادات أهم من الإيرادات نفسها
ولهذا السبب تتنافس الأحزاب السياسية بشراسة على السيطرة على الوزارات
فالوزارات لم تعد مجرد مؤسسات إدارية، بل أصبحت مصادر ضخمة للثروة، تصنع أصحاب المليارات خلال فترات قصيرة
فالسيطرة على وزارة تعني السيطرة على العقود، والتراخيص، والموافقات، والوصول إلى تدفقات الإيرادات
وفي كثير من الأحيان، لا يجري إخفاء هذا التنافس
بل يُناقش علناً
فقد صرّح سياسيون في أكثر من مناسبة عبر وسائل الإعلام بأن الوزارات يتم توزيعها فعلياً بينهم، حيث يقسم النفوذ وتُجرى تفاهمات حول السيطرة، بل وحتى تُقام مزادات غير معلنة على بعض هذه المؤسسات في دول مجاورة ضمن ترتيبات منظمة
وهذا وحده يكشف طبيعة النظام
فهو يعمل بدرجة من العلنية في ما يتعلق بالفساد تعكس غياباً شبه كامل للمحاسبة
وهذا ما يحدد طبيعة البنية الحالية للدولة العراقية
النفط
يبقى النفط في مركز الاقتصاد العراقي
فصادرات النفط الخام، التي تُدار عبر مؤسسة تسويق النفط العراقية (سومو)، تهيمن على الإيرادات ويشمل ذلك صادرات النفط الخام، ومبيعات الوقود المحلية، وبيع الغاز المصاحب لمحطات الطاقة، وإيرادات شركات النفط الأجنبية، والعوائد الإنتاجية من حقول النفط والغاز
كما توجد إيرادات استخراجية أخرى أصغر حجماً، تشمل إنتاج الكبريت والفوسفات والإسمنت والحجر الجيري
ووفقاً للأرقام الحكومية الرسمية، والتي تبقى موضع شك كبير، فقد صدّر العراق ما يزيد على ١.٦ تريليون دولار من النفط منذ غزو عام ٢٠٠٣ وهذا الرقم يعكس صادرات النفط فقط، منذ دون احتساب بقية تدفقات الإيرادات المرتبطة بالنفط داخل الاقتصاد
ورغم كل ذلك، لا تزال الدولة تعاني من ضعف شديد، وفي كثير من المناطق غياب شبه كامل، في الخدمات العامة
فقطاعات الطاقة، والإسكان، والتعليم، والرعاية الصحية، والبنية التحتية الأساسية، جميعها شهدت تدهوراً خلال العقدين الماضيين
وهذا وحده يثير تساؤلات
تشكل هذه الإيرادات العمود الفقري للاقتصاد الرسمي
لكن حتى هنا، تبقى الصورة غير مكتملة
فكميات كبيرة من النفط والمنتجات المكررة يتم تهريبها، بينما تتدفق الإيرادات مباشرة نحو الشبكات السياسية والجماعات المسلحة وهذه التدفقات مستمرة منذ سنوات بالتوازي مع النظام الرسمي، وبعلم كامل من الولايات المتحدة
قد يكون النفط هو القلب الظاهر للنظام
لكنه ليس سوى جزء واحد من بنية أكبر بكثير
فخلفه توجد شبكة واسعة من مصادر الإيرادات الإضافية، كثير منها مخفي، وضعيف الرقابة، وخارج نطاق المحاسبة إلى حد كبير
الضرائب نظام موجود على الورق
يمتلك العراق إطاراً ضريبياً متكاملاً من الناحية النظرية
:ويشمل ذلك الضرائب المباشرة مثل
ضريبة دخل الشركات (15٪، وترتفع إلى 35٪ في قطاعي النفط والاتصالات)
ضريبة الدخل الشخصي (من 3٪ إلى 15٪)
ضرائب الاستقطاع على المدفوعات الأجنبية
ضريبة دخل العقارات
ضريبة الأرباح الرأسمالية
ضرائب الإرث والهبات
:كما يشمل ضرائب غير مباشرة مثل
الرسوم الجمركية (من 5٪ إلى 65٪)
رسوم مكافحة الإغراق
الضرائب الانتقائية (تصل إلى 300٪ على التبغ والكحول)
ضرائب الاتصالات (20٪)
ضرائب تذاكر الطيران
ضرائب قطاع الضيافة
رسوم تسجيل المركبات
نظرياً، يفترض أن تحقق هذه الضرائب إيرادات كبيرة للدولة
لكن الواقع مختلف تماماً
فالتطبيق غير متسق، وفي كثير من الحالات شبه معدوم
أجزاء واسعة من الاقتصاد تعمل خارج النظام الضريبي الرسمي، بينما تبقى آليات الجباية ضعيفة، أو تُطبق بشكل انتقائي، أو يجري التلاعب بها عمداً
وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي تدفع الأحزاب السياسية إلى التنافس بشراسة على السيطرة على الوزارات ومؤسسات الدولة
فهذه المؤسسات ليست مجرد جهات إدارية
بل تمثل مصادر ضخمة للإيرادات
فالسيطرة على الضرائب والجمارك والتراخيص وآليات التنفيذ تمنح الجهات السياسية القدرة على الحفاظ على شبكات المحسوبية، وتمويل الفساد، ودعم الميليشيات والجماعات المسلحة التي تحمي النظام القائم
المشكلة ليست في غياب نظام ضريبي
بل في أين تذهب هذه الأموال، ومن يسيطر عليها، ومدى ضآلة ما يعود منها إلى الشعب العراقي على شكل خدمات حقيقية أو تنمية فعلية
التراخيص
إلى جانب الضرائب، يحقق العراق أيضاً إيرادات عبر منظومة واسعة من التراخيص في مختلف قطاعات الاقتصاد
:وتشمل هذه القطاعات
الاتصالات
تراخيص تشغيل بمليارات الدولارات
رسوم استخدام الطيف الترددي السنوية
تراخيص مزودي خدمة الإنترنت
تصاريح البث الإعلامي
تسجيل المحتوى الرقمي
:القطاع المالي
تراخيص المصارف
تراخيص شركات الصرافة
موافقات شركات التكنولوجيا المالية والمحافظ الإلكترونية
:التجارة والصناعة
رسوم تسجيل الشركات
تراخيص الاستيراد والتصدير
التصاريح الصناعية
:الأمن والصحة
تراخيص شركات الأمن الخاصة
تصاريح الأسلحة
تسجيل الأدوية
تراخيص المستشفيات
هذه ليست رسوماً إدارية بسيطة
بل تمثل تدفقات مالية كبيرة تمر عبر مؤسسات الدولة
والأهم من ذلك، أنها تمثل نقاط سيطرة ونفوذ
فالحصول على حق العمل أو التشغيل بحد ذاته يتحول إلى مصدر للربح
وفي كثير من الحالات، لا يكون الوصول إلى هذه التراخيص إجراءً إدارياً بحتاً، بل عملية تفاوض ومساومات
الفساد داخل منظومة العقود والتراخيص والموافقات أصبح مفهوماً ومعروفاً على نطاق واسع داخل العراق كما أن العديد من الشركات الأجنبية التي تدخل السوق العراقية تدرك جيداً طبيعة النظام، ويختار كثير منها المشاركة فيه لأنها تعلم أن هذه هي الطريقة التي تُدار بها الأعمال داخل البلاد
أما الأرقام الرسمية المتعلقة بهذه الإيرادات، فتبقى موضع شك كبير
وهذا يطرح سؤالاً واضحاً
أين تذهب هذه الأموال فعلياً؟
تصبح الإجابة أكثر وضوحاً عند النظر إلى الطبقة السياسية نفسها
فعلى مدى السنوات الماضية، جرى تحويل مبالغ هائلة من الأموال إلى خارج العراق، استُخدمت في شراء أصول وعقارات وشركات واستثمارات مالية مرتبطة بشخصيات سياسية وشبكاتها
وفي الوقت نفسه، تُستخدم هذه الإيرادات داخلياً للحفاظ على النظام نفسه
فالأحزاب السياسية تواصل توسيع شبكات الولاء والمحسوبية من خلال ربط المزيد من الأشخاص بها مالياً، سواء كانوا موظفين داخل المؤسسات، أو متعهدين، أو منصات إعلامية، أو جماعات مسلحة، أو شبكات محلية قائمة على الولاء
وكلما توسعت هذه الشبكات، أصبح النظام أكثر حماية
فالاعتماد المالي يخلق الولاء
والولاء بدوره يحمي البنية السياسية مهما بلغت درجة فشلها
ولهذا السبب تستمر الميليشيات والجماعات المسلحة في الحصول على التمويل والحماية
فهي ليست منفصلة عن النظام السياسي
بل تُعد إحدى الأدوات المستخدمة للحفاظ عليه
الإيرادات الإدارية
تمتد منظومة الإيرادات في العراق إلى ما هو أبعد من الضرائب والتراخيص، لتشمل تدفقات مالية إدارية ومعاملاتية متعددة
وتشمل هذه الإيرادات
رسوم الطوابع على العقود
رسوم نقل ملكية العقارات
رسوم التأشيرات والإقامة
رسوم عبور الطائرات التجارية للأجواء العراقية
إيرادات الموانئ والرسوم المرتبطة بالجمارك
الغرامات المرورية
أرباح الشركات المملوكة للدولة
التحويلات المالية المرتبطة بحكومة إقليم كردستان
على الورق، تُعد هذه مكونات طبيعية لأي دولة تعمل بشكل سليم
لكن عملياً، وضمن النظام العراقي الحالي، أصبحت جزءاً من هيكل أوسع بكثير لجمع الإيرادات بشكل مجزأ، موزع بين الوزارات والمؤسسات والهيئات والشبكات السياسية المختلفة
لم تعد هذه الإيرادات تُدار بشكل مركزي وخاضع للمحاسبة من قبل الدولة نفسها
بل أصبحت المؤسسات تعمل فعلياً تحت تأثير أحزاب سياسية وشبكات نفوذ متنافسة، تستخدم الهياكل الرسمية كواجهة يتم من خلالها توزيع الإيرادات والنفوذ والسيطرة
وبذلك، أصبح الفساد جزءاً مدمجاً داخل بنية الحكم نفسها
فالنظام لم يعد يعمل بوصفه إدارة دولة بالمعنى التقليدي
بل تحول إلى شبكة من المصالح المالية والسياسية المتنافسة التي تعمل من خلال مؤسسات الدولة
المنافذ الحدودية والموانئ والسيطرة على التجارة
أحد أهم مصادر الإيرادات وأكثرها غموضاً في العراق يتمثل في المنافذ الحدودية والموانئ
فالسيطرة على نقاط الدخول إلى العراق تعني فعلياً السيطرة على التجارة نفسها
نظرياً، يفترض أن تتدفق إيرادات الجمارك ورسوم الاستيراد والتفتيش والرسوم التجارية الأخرى مباشرة إلى خزينة الدولة لدعم المالية العامة
لكن عملياً، فإن السيطرة على العديد من المنافذ الحدودية والموانئ وطرق النقل اللوجستي أصبحت مجزأة بين شبكات سياسية متنافسة وميليشيات وجهات مرتبطة بها
وتؤثر جهات مختلفة على
تقييم الرسوم الجمركية
إجراءات التفتيش
سرعة التخليص
تطبيق التعرفة والأنظمة
وهذا يخلق فرصاً هائلة
تقليل التصريح الحقيقي عن البضائع
الرشاوى والمدفوعات غير الرسمية
التطبيق الانتقائي للقوانين
إنشاء تدفقات إيرادات موازية خارج الرقابة الرسمية
كما تحقق الموانئ نفسها إيرادات كبيرة من خلال رسوم التخزين، ومناولة الحاويات، وخدمات الشحن، والعمليات اللوجستية
لكن أجزاء واسعة من هذه التدفقات لا تنعكس بشكل كامل داخل الحسابات الرسمية للدولة
ولهذا تُعتبر المنافذ الحدودية وإدارات الموانئ من أكثر المؤسسات التي يجري التنافس عليها داخل النظام السياسي العراقي
فالسيطرة على طرق التجارة تعني الوصول إلى تدفق نقدي مستمر
وأصبحت التجارة لا تمثل مجرد نشاط اقتصادي، بل نظام إيرادات موازياً يعمل إلى جانب الدولة الرسمية، ويخدم الجهات السياسية والجماعات المسلحة التي تسيطر عليه
مزادات العملة والتدفقات المالية
توجد طبقة أخرى أساسية من هذا النظام داخل العمليات المالية العراقية
وفي قلبها تقع آلية مزاد العملة التابعة للبنك المركزي العراقي، والتي صُممت أساساً لتحقيق استقرار سعر الصرف وتسهيل الاستيراد والتجارة المشروعة
نظرياً، وُجد هذا النظام لدعم الاستقرار المالي
لكن عملياً، تحول إلى واحدة من أكبر قنوات توزيع الدولار داخل البلاد، ما خلق
فرصاً للمضاربة وتحقيق أرباح سريعة
تدفقات ضخمة لرؤوس الأموال إلى الخارج
قنوات لتهريب العملة
وصولاً إلى الدولار المدعوم لصالح شبكات مرتبطة سياسياً
وأصبح الوصول إلى الدولار بحد ذاته مصدراً للربح
ما أدى إلى نشوء نظام تُولد فيه الإيرادات من خلال السيطرة على الوصول إلى الأموال، بدلاً من الإنتاج أو النمو الاقتصادي الحقيقي
عدد محدود نسبياً من الجهات يهيمن على هذه الآلية، ويواصل تحقيق ثروات ضخمة من خلالها وحدها
وعلى مدى السنوات الماضية، واجه نظام مزاد العملة اتهامات متكررة باستخدامه لنقل كميات هائلة من الأموال إلى خارج العراق، بما يخدم شبكات مرتبطة بسياسيين وشركات صرافة وأعمال تجارية وجماعات مسلحة كما أصبح أحد المصادر الرئيسية لتزويد الاقتصاد الإيراني بالدولار عبر التهريب والقنوات المالية غير الرسمية
وفي الوقت نفسه، لا يزال الاقتصاد العراقي الأوسع يعاني من ضعف الإنتاج، وارتفاع البطالة، وتراجع الخدمات العامة
وهذا يكشف مشكلة هيكلية أعمق داخل الاقتصاد العراقي
فالربح أصبح يتحقق بشكل متزايد عبر السيطرة على القنوات التي تتحرك من خلالها الأموال نفسها
في الاقتصاد الطبيعي، يتحقق الربح من خلق القيمة، وبناء الصناعات، وتوفير فرص العمل، وتوسيع القطاعات الإنتاجية
لكن السياسات التي تدعم تنمية اقتصادية حقيقية لا تخدم مصالح الطبقة السياسية الحالية أو الجماعات المسلحة التي تحمي النظام القائم
قطاع الكهرباء خسائر وتسرب للإيرادات
يمثل قطاع الكهرباء مثالاً آخر مهماً على كيفية عمل هذا النظام
فعلى الرغم من عقود من الإنفاق والوعود المتكررة بالإصلاح، لا يزال العراق يعاني من أزمة كهرباء مزمنة
وذلك رغم تخصيص مئات مليارات الدولارات لهذا القطاع منذ عام 2003
وفي الوقت نفسه، يحقق القطاع نفسه إيرادات كبيرة من خلال
جباية أجور الكهرباء
تخصيص الوقود
عقود البنية التحتية والصيانة
المشتريات والاستيرادات المرتبطة بالطاقة
ومع ذلك، فإن أجزاء واسعة من هذا النظام تعمل بكفاءة ضعيفة، أو بشكل غير منتظم، أو خارج آليات الجباية الفعالة للدولة
وتحدث الخسائر عبر
عدم الدفع
التجاوزات والربط غير القانوني
الخسائر الفنية وتدهور البنية التحتية
الفساد وضعف كفاءة العقود
ضعف الرقابة وتشتت الإشراف
لكن المشكلة الأعمق تتجاوز مجرد سوء الإدارة
فاستمرار فشل قطاع الكهرباء خلق بحد ذاته أنظمة إيرادات بديلة
ومع بقاء الكهرباء الحكومية غير مستقرة، ظهرت شبكات المولدات الأهلية في مختلف أنحاء العراق لسد الفراغ، حيث أصبحت تزود المنازل والشركات والأحياء السكنية بالكامل بالطاقة مقابل اشتراكات شهرية
ومع مرور الوقت، ارتبط العديد من هذه الشبكات بجهات سياسية، وبنى نفوذ محلية، وميليشيات، ومصالح تجارية مرتبطة بها
وهكذا نشأ اقتصاد موازٍ كامل بُني على فشل منظومة الكهرباء الحكومية
وفي مثل هذه البيئة، فإن حل أزمة الكهرباء سيهدد المصالح المستفيدة من السوق الموازية التي نشأت حولها
فكلما استمر فشل النظام العام، استمرت تدفقات الإيرادات البديلة
وما كان يفترض أن يكون حلاً مؤقتاً، تحول إلى طبقة جديدة من التبعية الاقتصادية والسيطرة السياسية
ولا يقتصر هذا النمط على قطاع الكهرباء فقط
فاستمرار فشل الخدمات العامة يخلق فرصاً للجهات السياسية والميليشيات والشبكات المرتبطة بها للتوسع في أعمال موازية وأسواق غير رسمية عبر قطاعات متعددة، تشمل الخدمات، والتجارة، والرعاية الصحية، والتعليم، والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية
وفي كثير من الحالات، توفر هذه القطاعات أيضاً بيئة مثالية لعمليات غسل الأموال وإعادة تدوير الأموال الناتجة عن الفساد وتدفقات الإيرادات غير الرسمية
إعادة الإعمار والعقود والمشتريات
تمثل مشاريع إعادة الإعمار والاستثمارات العامة قناة رئيسية أخرى للإيرادات والسيطرة داخل الاقتصاد العراقي
وتشمل هذه المشاريع
تطوير البنية التحتية
مشاريع الإسكان
مشاريع الطاقة والخدمات
عقود الخدمات والصيانة
نظرياً، تهدف هذه المشاريع إلى إعادة بناء البلاد، وتحديث البنية التحتية، ودعم التنمية الاقتصادية
لكن عملياً، تحولت أيضاً إلى واحدة من أكبر آليات استخراج الأموال داخل النظام
فالسيطرة على العقود تمنح القدرة على التأثير في
توزيع المشاريع
اختيار المتعهدين
هيكلية الأسعار
شبكات العمولات
تدفقات المشتريات والموافقات
ولهذا أصبحت المشتريات الحكومية واحدة من أكثر القطاعات أهميةً من الناحية الاستراتيجية داخل النظامين السياسي والاقتصادي في العراق
فالقضية لم تعد مجرد إعادة بناء للبنية التحتية
بل أصبحت تتعلق بالسيطرة على تدفق الأموال
فتحولت المشاريع إلى قنوات مالية تستخدمها الجهات السياسية والشركات المرتبطة بها وشبكات النفوذ للحفاظ على نفسها
وفي كثير من الحالات، تؤدي العقود المضخمة، وتأخر التنفيذ، وضعف الرقابة، وتكرار دورات إعادة الإعمار إلى ضمان استمرار استخراج الإيرادات بدلاً من إيجاد حلول طويلة الأمد
ويمثل قطاع الإسكان تحديداً قضية أعمق تستحق دراسة منفصلة
فالفساد داخل مشاريع العقارات والتطوير توسع بشكل كبير خلال العقدين الماضيين، وأصبح القطاع يعمل بشكل متزايد كأداة لتحريك رؤوس الأموال، وتركيز الثروة، وفي كثير من الحالات، لعمليات غسل أموال واسعة النطاق مرتبطة بشبكات سياسية ومالية
وقد أصبح واحداً من أكثر القطاعات ربحية داخل المنظومة الأوسع
السيطرة على الإيرادات
عند النظر إلى جميع هذه القطاعات مجتمعة، يبدو العراق على الورق وكأنه يمتلك نظام إيرادات متنوعاً يتجاوز النفط بكثير
لكن جزءاً كبيراً من هذه الإمكانات بقي معطلاً، أو ضعيف التطور، أو جرى إضعافه عمداً
ولا ينطبق ذلك فقط على إيرادات الدولة، بل أيضاً على الاستثمار الخاص، وتطوير الأعمال المحلية، والنشاط الاقتصادي الإنتاجي
فمنذ عام 2003، واجه نمو القطاع الخاص ضغوطاً مستمرة من الجهات السياسية والميليشيات والشبكات المرتبطة بالنظام الحالي
وهذا الضغط ليس أمراً عشوائياً
فإضعاف النشاط الاقتصادي المستقل يساعد على ضمان عدم ظهور منافسين اقتصاديين حقيقيين خارج البنى التي تسيطر عليها الأحزاب السياسية والجماعات المرتبطة بها
وكلما أصبح الاقتصاد أكثر اعتماداً على الشبكات المرتبطة سياسياً، أصبح النظام أكثر أمناً واستقراراً بالنسبة للقائمين عليه
وبالتالي، فإن القضية لا تتعلق فقط بعدد مصادر الإيرادات التي يمتلكها العراق
بل تتعلق بالسيطرة
من يسيطر على هذه الإيرادات، وكيف يتم توزيع الأموال، وكم يختفي من هذه الاموال عبر الفساد والشبكات غير الرسمية والأنظمة الموازية التي تعمل خلف المؤسسات الرسمية
ولهذا تستمر الوزارات والهيئات والجهات السياسية المختلفة بالتنافس المستمر للوصول إلى هذه الموارد
وهذا يفسر أحد أكثر الأنماط ثباتاً في السياسة العراقية
فبعد كل انتخابات، نادراً ما تتنافس الكتل السياسية حول السياسات الاقتصادية أو الإصلاح المؤسسي أو خطط التنمية طويلة الأمد
بل تتنافس على الوزارات
لأن الوزارات لم تعد مجرد مؤسسات إدارية
بل أصبحت بوابات للمال، والعقود، والنفوذ، والمحسوبية
فالسيطرة على وزارة تعني السيطرة على
العقود
أنظمة التراخيص
عمليات المشتريات
الموافقات التنظيمية
الوصول إلى موارد الدولة والتدفقات المالية
وهنا تحديداً توجد المنافسة الحقيقية داخل النظام السياسي العراقي
ليس على الحكم
بل على السيطرة على هيكل الإيرادات نفسه
التجزئة
في الدول التي تعمل بشكل طبيعي، تكون تدفقات الإيرادات مركزية، شفافة، وخاضعة للرقابة
أما في العراق، فهي مجزأة
وهذا التشظي يخلق مساحة :
المدفوعات غير الرسمية
تدفقات الإيرادات الموازية
التطبيق الانتقائي للقوانين
تسرب الإيرادات على نطاق واسع
أجزاء كبيرة من النظام تعمل بقدر محدود من الشفافية أو التدقيق الفعّال
وفي بعض الحالات، لا تصل الإيرادات إلى الخزينة المركزية أساساً، بل تدور داخل شبكات مرتبطة بجهات سياسية، ومصالح تجارية، وميليشيات، ومجموعات مرتبطة بها
وهذا أحد الأسباب التي تجعل الأرقام الرسمية نادراً ما تعكس الواقع الكامل للاقتصاد العراقي فالنظام يعيش على الغموض وكلما أصبحت البنية أقل شفافية، أصبح من الأسهل لشبكات الفساد أن تعمل من دون محاسبة
وأي محاولات لتحدي هذه البنية غالباً ما تُواجَه بسرعة، سواء سياسياً، أو مؤسساتياً، أو عبر ضغوط تُمارس خلف الكواليس
لماذا بُني النظام بهذه الطريقة
هذه البنية ليست مجرد نتيجة لسوء الإدارة أو ضعف المؤسسات أو إرث الحروب والصراعات
بل تستمر لأنها تخدم مصالح قوية
فالنظام المجزأ للإيرادات يسمح بتوزيع النفوذ والثروة بين الأحزاب السياسية، والوزارات، والميليشيات، وشبكات الأعمال، والجهات المرتبطة بها، من دون الحاجة إلى سيطرة مؤسساتية كاملة من طرف واحد وكل طبقة إضافية من التعقيد تخلق فرصة جديدة للاستخراج والاستفادة
وعملياً، فإن هذا التشظي يخلق
قنوات متعددة للدخل غير الرسمي
تداخل الصلاحيات وغياب المسؤولية الواضحة
تطبيقاً انتقائياً للضرائب والأنظمة
اعتماداً على الحماية السياسية بدلاً من المسار القانوني
ولهذا تستمر الأنظمة الموازية بالعمل إلى جانب الدولة الرسمية ففي كثير من القطاعات، لا تمثل المؤسسات الرسمية سوى جزء من بنية القوة الحقيقية وحولها تعمل شبكات من الوسطاء، والمتعهدين، والجماعات المسلحة، والمسؤولين المرتبطين بالأحزاب، والجهات الاقتصادية التي تستفيد جميعها من غياب الوضوح
لقد أصبح الغموض نفسه ذا قيمة
فعندما تكون الأنظمة غير شفافة
تصبح المحاسبة أكثر صعوبة
وتتداخل المسؤوليات
ويصبح تتبع الفساد أكثر تعقيداً
كما يصبح من الأسهل توجيه غضب الشارع نحو أطراف أخرى
والنتيجة هي دولة تبدو شديدة المركزية سياسياً، لكنها تعمل عملياً عبر المحسوبية اللامركزية والسيطرة غير الرسمية
وإصلاح مثل هذا النظام لا يُعتبر مجرد عملية تقنية أو إدارية
بل يشكل تهديداً مباشراً للمصالح المتجذرة داخله
فالمركزية الحقيقية للإيرادات والرقابة من شأنها أن
تقلل من مصادر الدخل غير الرسمية
تكشف الشبكات المالية
تضعف منظومات المحسوبية
وتحد من السلطة التقديرية للأحزاب والجماعات المرتبطة بها
ولهذا السبب، يواجه أي إصلاح حقيقي مقاومة متكررة، لأن الترتيب الحالي يخدم عدداً كبيراً من الجهات في الوقت نفسه
فالنظام يستمر عبر إدارة التجزئة، لا عبر إنهائها
مشكلة المليارديرات
أحد أوضح مظاهر النظام العراقي بعد عام 2003 هو التراكم السريع للثروات الهائلة لدى أشخاص مرتبطين به
في الاقتصاد الإنتاجي، يرتبط ظهور المليارديرات عادةً :
التوسع الصناعي
الابتكار التكنولوجي
المشاريع الخاصة الكبرى
نمو الصادرات
أو خلق قيمة اقتصادية جديدة
لكن العراق شهد القليل جداً من ذلك
فخارج قطاع النفط، تبقى القدرة الإنتاجية ضعيفة والبنية التحتية غير مستقرة، والصناعة متخلفة، والبطالة مرتفعة، بينما يواجه القطاع الخاص قيوداً سياسية ومؤسساتية شديدة
ورغم ذلك، ظهرت ثروات هائلة خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً
وهذا يطرح سؤالاً واضحاً
من أين تأتي هذه الثروة فعلياً؟
الإجابة، في كثير من الحالات، ليست من الإنتاج، بل من الوصول الى
العقود الحكومية
قنوات الاستيراد والتجارة
أنظمة التراخيص
آليات الصرف والتحويل المالي
المنافذ الحدودية
الأراضي العامة
التمويل المدعوم من الدولة
والعلاقات داخل البنية السياسية نفسها
في مثل هذه البيئة، تصبح القرب من السلطة أكثر ربحية من الابتكار الاقتصادي
فالجهات الأكثر نجاحاً ليست بالضرورة تلك التي تبني الصناعات أو ترفع الإنتاجية أو تؤسس شركات تنافسية، بل تلك التي تتموضع بالقرب من الآليات التي يتم عبرها توزيع موارد الدولة
وهذا ينتج اقتصاداً سياسياً قائماً على الاستخراج
فتتحول العقود إلى فرص للثراء وتصبح الوزارات مراكز اقتصادية وتتحول الأنظمة التنظيمية إلى أدوات نفوذ وحتى التعقيد البيروقراطي نفسه يصبح ذا قيمة، لأن كل طبقة إضافية تخلق نقطة جديدة يمكن من خلالها تحويل النفوذ إلى أرباح
ومع مرور الوقت، تصبح الثروة أكثر انفصالاً عن والإنتاجية والمساهمة الاقتصادية الحقيقية
وهذا أحد الأسباب التي تجعل الغضب الشعبي في العراق لا يتركز فقط على الفساد كمفهوم عام، بل على التناقض الواضح بين
الثروات الخاصة الهائلة
وانهيار البنية التحتية
وضعف الخدمات العامة
واتساع حالة عدم الاستقرار الاقتصادي لدى السكان
الفساد موجود في دول كثيرة
لكن المشكلة في العراق تكمن في حجم الاستخراج المالي، ووضوحه، وطبيعته البنيوية داخل اقتصاد فشل في تحقيق ازدهار حقيقي واسع النطاق
وفي هذا السياق، فإن صعود المليارديرات المرتبطين سياسياً ليس انحرافاً عن النظام
بل أحد نتائجه الطبيعية
البنية الحقيقية للنظام
عند جمع كل هذه العناصر معاً، تبدو منظومة الإيرادات في العراق على الشكل التالي
النفط يشكل القاعدة الأساسية
الضرائب موجودة لكنها تُطبق بشكل غير متساوٍ
التراخيص تخلق دخلاً قائماً على الوصول والنفوذ
الرسوم الإدارية تولد تدفقات مالية إضافية
السيطرة على الحدود والتجارة تخلق إيرادات موازية
الآليات المالية تسمح بتدفقات رؤوس الأموال والمضاربات
العقود وإعادة الإعمار تقود عمليات استخراج واسعة النطاق
الشبكات غير الرسمية تستحوذ على أجزاء كبيرة من الإيرادات
هذا ليس نظاماً موحداً
بل نظام متعدد الطبقات
وكل طبقة تعزز الأخرى
الخاتمة
لا يمكن فهم الاقتصاد العراقي من خلال إيرادات النفط وحدها
وعملياً، أصبحت الإيرادات مرتبطة بدرجة أقل بالإنتاجية والتنمية الاقتصادية، وبدرجة أكبر بالوصول والنفوذ والسيطرة على الآليات المرتبطة بالدولة
وهذا ما يفسر استمرار البنية الحالية، كما يفسر الفشل المتكرر لمحاولات الإصلاح
لأن الإصلاح في العراق ليس مجرد قضية تقنية
فهو لا يتعلق فقط بزيادة الإيرادات غير النفطية، أو تقليل الهدر، أو تحديث الإدارة، أو تحسين الكفاءة
في جوهره، الإصلاح يتعلق بالسلطة
يتعلق بمن يسيطر على الموارد، ومن يستفيد من حالة التجزئة، ومن سيفقد نفوذه إذا تم تعزيز الشفافية والمحاسبة المؤسسية
وهنا تبدأ المقاومة الحقيقية
فالعديد من مشاريع الإصلاح تفشل لأنها تحاول تحسين النتائج من دون مواجهة البنية السياسية التي أنتجت هذه النتائج أساساً
وطالما بقي النظام الحالي قائماً، فإن محاولات الإصلاح ستبقى معرضة لأن تتحول إلى تعديلات مؤقتة بدلاً من تغيير هيكلي حقيقي ويمكن بسهولة أن يضيع عقد آخر في إدارة الأزمات بدلاً من حلها، بينما تستمر الدول المجاورة في التقدم اقتصادياً واستراتيجياً
ومن هذا المنظور، فإن مشكلة العراق لم تعد اقتصادية فقط
بل أصبحت مشكلة بنيوية شاملة
فمن دون تغيير جذري في البنية السياسية التي تشكلت بعد عام 2003، يصبح من الصعب تصور حدوث تحول حقيقي وفعّال لأن الحوافز نفسها، والشبكات نفسها، والآليات نفسها التي أنتجت الوضع الحالي، ستستمر في إعادة إنتاجه
المشكلة ليست فيما إذا كان العراق يمتلك الثروة أو الإمكانيات
فهو يمتلك الاثنين
المشكلة هي ما إذا كانت الدولة قادرة في النهاية على الانتقال من نظام قائم على السيطرة المجزأة والاستخراج، إلى نظام قائم على المؤسسات، والمحاسبة، والتنمية الوطنية
وإلى أن يحدث ذلك، فمن المرجح أن تستمر الحلقة نفسها
Iraq Business Journal
9th of May, 2026
