أزمة الهوية في العراق: نظام بلا جوهر موحد

Photo by Hussein Samad on Pexels.com
أتذكر سؤالاً طُرح عليّ قبل سنوات عديدة، سؤالاً لم يغادر ذهني، ومع مرور الوقت دفعني للتفكير بشكل أعمق في هوية العراق وكيف ترتبط بالواقع الذي نراه اليوم
“من أين تعود أصولك؟”
بدا السؤال بسيطاً. لكن الخلفية وراءه لم تكن كذلك. الشخص الذي طرح السؤال كانت له جذور من شرق العراق ذات أصول فارسية. أما الصديق الذي كنا نتحدث عنه فكان يعرّف نفسه كعربي. بينما تعود أصولي أنا إلى جذور تركية
بقي ذلك الموقف عالقاً في ذهني، ليس بسبب السؤال نفسه، بل بسبب ما كشفه
غالباً ما يتم وصف مشاكل العراق على أنها مشاكل سياسية أو اقتصادية أو أمنية. لكن خلف كل ذلك توجد مشكلة أعمق: أزمة هوية غير محسومة وتزداد وضوحاً مع الوقت
وهذا ليس أمراً يخص العراق وحده. ففي أجزاء واسعة من العالم العربي، تشكلت البنية الحالية للدول والحدود والأنظمة والتحالفات السياسية نتيجة قرارات خارجية، خصوصاً بعد اتفاقية سايكس بيكو. هذه الترتيبات لم تكن بالضرورة تعكس الواقع على الأرض، وفي كثير من الحالات لا تزال موضع نزاع حتى اليوم
أما في حالة العراق، فالمسألة أعمق من ذلك
فهي ليست مجرد قضية ثقافة أو عرق أو دين، بل نتيجة قرون من الصراع على أرض نادراً ما وُجدت ككيان مستقر وموحد بشكل حقيقي. وعندما تضعف الدولة أو تنهار، تعود هذه الانقسامات الكامنة إلى الظهور فوراً
العراق اليوم يعمل من دون هوية وطنية جامعة قوية بما يكفي لتتغلب على الولاءات المتنافسة. وبدلاً من ذلك، أصبحت الهوية مجزأة، ومُسيّسة، وفي كثير من الأحيان مُستخدمة كسلاح
فتتحول الولاءات نحو العرق، أو الدين، أو الطائفة، أو العشيرة، أو الشبكات المرتبطة بالمصالح، خصوصاً بعد انهيار الدولة عام ٢٠٠٣، عندما اختفت السلطة المركزية وملأت الهياكل البديلة الفراغ
وفهم هذه النقطة أساسي لفهم سبب استمرار العراق في المعاناة من عدم الاستقرار، وضعف الحكم، وتكرار دورات الصراع

جغرافيا تشكلت بالقوة والنفوذ

لا يمكن فصل الهوية العراقية الحديثة عن الجغرافيا والتاريخ
فعلى مدى قرون، كانت المنطقة التي تُعرف اليوم بالعراق تقع عند تقاطع الإمبراطوريات، العثمانية والفارسية وغيرها من القوى السابقة. ولم يتشكل العراق ككيان وطني موحد بصورة طبيعية، بل تكوّن عبر الحكم الخارجي، وتغير الحدود، والحروب، وتنافس مراكز النفوذ
وقد طورت مناطق مختلفة روابط سياسية وثقافية واقتصادية متباينة. وهذه الاختلافات لم تختفِ مع تأسيس الدولة العراقية الحديثة
فالجغرافيا جعلت النفوذ الخارجي أكثر سهولة
فالمناطق الأقرب إلى القوى الخارجية كانت أكثر عرضة لتأثيرها، وأصبح هذا النمط أكثر وضوحاً بعد عام 2003
شهد جنوب العراق نفوذاً إيرانياً عميقاً ومستداماً. أما الشمال فقد شهد تزايداً في التدخل التركي. وفي الغرب، وُجدت روابط مع الدول العربية، رغم أن هذه المناطق عانت أيضاً من فترات طويلة من عدم الاستقرار والإهمال
وفي السنوات الأخيرة، تلقى بعض السياسيين الذين يدّعون تمثيل العرب السنة دعماً من دول الخليج. إلا أن هذا الدعم ليس محايداً، بل يرتبط غالباً بالنفوذ، والاصطفاف السياسي، والقدرة على توجيه النتائج عبر شخصيات محددة
بالنسبة للقوى الإقليمية، فإن العراق ليس مجرد دولة مجاورة، بل فرصة
فإضعاف الدولة العراقية أتاح للأطراف الخارجية توسيع نفوذها اقتصادياً وسياسياً. ولم يعد النفوذ مقتصراً على السياسة فقط، بل امتد إلى الاستثمار، والسيطرة على تدفقات التجارة، واستغلال الموارد، والوصول إلى سوق استهلاكية كبيرة نشأت نتيجة ضعف الاقتصاد المحلي
وقد أدى تفكك العراق إلى خلق نظام يخدم الأطراف الخارجية
وما تغير مع مرور الوقت لم يكن وجود الهويات المتعددة، بل طريقة إدارتها
فبدلاً من توحيد هذه الهويات ضمن إطار مركزي جامع، أصبحت جزءاً من نظام مجزأ تستمر فيه الانقسامات ويتم تعزيزها باستمرار. وانتقلت السلطة من مركز قوي في بغداد إلى مراكز نفوذ متعددة، داخلية وخارجية
والنتيجة هي مجتمع عالق بين قوى متنافسة، من دون وجود بنية موحدة وقوية قادرة على جمعه تحت هوية وطنية واحدة

متى كان العراق موحداً

الفترة الوحيدة في التاريخ الحديث التي بدا فيها وجود هوية عراقية قوية وموحدة كانت خلال حكم حزب البعث بقيادة صدام حسين
وهذه رؤية محل جدل، وكثيرون سيرفضونها، غالباً استناداً إلى اعتبارات سياسية أو طائفية أو تاريخية. لكنها نقطة تستحق الدراسة والنقاش بدلاً من رفضها بشكل مباشر
فالدولة العراقية الحديثة نفسها لم تتشكل بصورة طبيعية. فبعد اتفاقية سايكس بيكو، أُنشئ العراق تحت الحكم الملكي الهاشمي، حيث جاءت القيادة من الحجاز بدلاً من أن تنشأ من داخل المجتمع العراقي نفسه
وحتى خلال هذه المرحلة المبكرة من بناء الدولة، ظهرت مؤشرات على وجود ولاءات منقسمة. ففي مدن مثل النجف، كانت هناك فترات جرى فيها رفض المشاركة في مؤسسات الدولة، بما في ذلك الانتخابات، وهو ما عكس مبكراً وجود فجوة بين السلطة المركزية وبعض شرائح المجتمع
ثم جاءت مرحلة من عدم الاستقرار والتغيرات السياسية، بما في ذلك الثورة التي قادها عبد الكريم قاسم. وقد عكست هذه التحولات رؤى متنافسة لهوية العراق: قومية، واشتراكية، ودينية
وجاء صعود حزب البعث كنقطة تحول مهمة
وغالباً ما يتم تصويره كحركة سنية، لكن الواقع كان أكثر تعقيداً. فقد كان حزباً قومياً عربياً ضم أعضاء من مختلف الطوائف، بما في ذلك عدد كبير من الشيعة في العراق. ولم يكن هدفه الأساسي طائفياً، بل أيديولوجياً
وخلال تلك المرحلة، فرضت الدولة هوية وطنية مركزية. وتمت السيطرة بشكل صارم على أي تعبيرات طائفية أو عرقية أو سياسية خارجة عن الإطار الرسمي
وكان الولاء موجهاً نحو الدولة
وبدا العراق موحداً
وقد ظهر ذلك بشكل واضح خلال الحرب العراقية الإيرانية، حيث برز شعور قوي بالانتماء الوطني لدى جزء كبير من السكان. فبالنسبة لغالبية الناس، كان الولاء للعراق، وليس للأطراف الخارجية أو للهويات الطائفية
لكن هذه الوحدة لم تكن من دون ضغوط
فقد حاولت أطراف خارجية، وعلى رأسها إيران، التأثير على الداخل العراقي عبر شبكات سياسية ودينية. كما تحركت بعض الجماعات والتنظيمات ضمن هذا الإطار، مما ساهم في خلق توترات داخلية
لكن النظام بقي متماسكاً
على الأقل ظاهرياً
لأن الانقسامات الكامنة تحت هذه الوحدة الظاهرة لم تكن قد اختفت
بل كانت مُحتواة فقط
ومع ضعف النظام لاحقاً، عادت تلك الانقسامات إلى الظهور بسرعة

2003: انهيار نظام كان يفرض السيطرة

لم يخلق غزو عام 2003 الانقسامات الهوياتية في العراق، بل أزال البنية التي كانت تحتويها وتفرض السيطرة عليها
لكن هذه العملية كانت قد بدأت قبل ذلك بسنوات
فلعب عقد العقوبات الذي سبق الغزو دوراً كبيراً في إضعاف المجتمع العراقي. فقد أعاد الانهيار الاقتصادي، والفقر، والعزلة تشكيل السلوك الاجتماعي. ومع تراجع قدرة الدولة، بدأ الناس يعتمدون بشكل متزايد على الهياكل البديلة، مثل العشائر، والشبكات الدينية، وأنظمة الدعم غير الرسمية
لم تكن هذه التحولات دائماً واضحة للعيان، لكنها كانت تحدث تحت السطح
وبحلول وقت الغزو، كانت أسس التفكك قد وُضعت بالفعل
ومع انهيار الدولة، عادت هذه الهويات المكبوتة إلى الظهور بسرعة. فما كان قد دُفع إلى الخلفية أصبح مرئياً، ومنظماً، وفاعلاً سياسياً
وفي بيئة اتسمت بانعدام الأمن والصعوبات الاقتصادية، اتجه الأفراد نحو أقرب وأكثر البُنى موثوقية بالنسبة لهم: القيادة العشائرية، والمرجعيات الدينية، والشبكات السياسية الناشئة
وأصبحت الانتماءات الطائفية، والعرقية، والمناطقية الأساس الرئيسي للتعبئة السياسية والاجتماعية
وفي الوقت نفسه، ظهر نظام سياسي جديد
وبدلاً من محاولة إعادة بناء إطار وطني موحد، جرى تنظيم السلطة على أساس هذه الانقسامات نفسها. فالكثير من القرارات الأساسية، بدءاً من إعادة هيكلة المؤسسات وصولاً إلى الترتيبات الأمنية، عززت حالة التفكك بدلاً من تقليلها
ولم تعد الهوية مجرد واقع اجتماعي
بل أصبحت أداة سياسية
وفي معظم الحالات، استُخدمت لتقسيم المجتمعات، وإعادة تشكيل موازين القوى المحلية، وإعادة تعريف كيفية عمل السلطة على كل المستويات، من الأحياء السكنية وصولاً إلى مؤسسات الدولة نفسها

الهوية كأداة للسلطة السياسية

في نظام ما بعد 2003، أصبحت الهوية إحدى الآليات الأساسية للسلطة
فهي تحدد فرص الوصول، والمعارف، والخلفية، والعلاقات، وبالتالي تؤثر على التوظيف، والحماية، والفرص المتاحة. وفي كثير من الحالات، تؤثر حتى على كيفية تعامل الأفراد مع النزاعات القانونية أو غير الرسمية
لقد ضعفت السلطة المركزية، وتراجع الولاء للدولة
وأصبح التمثيل السياسي، وتوزيع الموارد، والسيطرة على المؤسسات يُنظم غالباً على أسس طائفية وعرقية. وداخل معظم المؤسسات، تؤثر الشبكات المرتبطة بهويات معينة على التوظيف، والترقيات، وإمكانية الوصول، مما يعيد تشكيل هذه المؤسسات تدريجياً من الداخل
وكان لهذا آثار اجتماعية واضحة
ففي بعض الحالات، بدأ الأفراد بتكييف هويتهم العلنية بما يتناسب مع البيئة التي يعملون فيها، من خلال تغيير الأسماء، أو الانتماءات، أو المظاهر الخارجية للمعتقدات، بهدف الحصول على الأمان، أو العمل، أو الفرص
لقد أصبح الأمر متعلقاً بالبقاء
وهنا يبرز سؤال جوهري: أين يكمن الولاء الحقيقي؟ للدولة، أم للبُنى التي حلّت محلها؟
فبدلاً من بناء هوية وطنية مشتركة، يقوم النظام بتوزيع السلطة بين المجموعات المختلفة. وتظهر مراكز نفوذ متعددة، كل منها يحمي موقعه، وكل منها يعتمد على استمرار البنية الحالية
وهذا يخلق حوافز قوية للإبقاء على الانقسام
فالنظام يعتمد على التفكك ويعيد إنتاجه باستمرار. وكلما انجذب المزيد من الأفراد إلى هذه الشبكات، أصبح النظام أكثر ترسخاً وأكثر صعوبة في التحدي
وفي كثير من الحالات، عادت أشكال بديلة من التنظيم إلى الظهور. فشبكات الحماية غير الرسمية، المرتبطة غالباً بالانتماءات العشائرية أو المحلية، أصبحت توفر خدمات ودعماً لم تعد الدولة قادرة على تقديمه بشكل موثوق
وهذا يعكس حقيقة أعمق
فعندما تضعف الدولة، تملأ الهياكل الأخرى الفراغ
وتستفيد القوى السياسية من تعزيز حدود الهويات والانقسامات. فيتحول الولاء نحو الجماعة، والشبكات، وأنظمة الحماية
وفي هذه البيئة، تتلاشى الهوية الوطنية
وما يبقى مهيمناً هو الانتماء: من أنت، وأين تنتمي، وأي شبكة تتبع
أما الشعور بالقومية والوطنية فيتراجع تدريجياً
ويصبح البقاء هو الأولوية: الدخل، والعمل، والفرص. وعندما تفشل الدولة في توفير هذه الأمور، فإنها تفقد مكانتها في حياة الناس

التأثير الخارجي وتعدد الولاءات

يزداد تعقيد الانقسام الداخلي في العراق بسبب التأثيرات الخارجية
فالقوى الإقليمية، وخصوصاً إيران وتركيا وعدداً من الدول العربية، تتعامل مع العراق ليس كدولة موحدة، بل من خلال انقساماته الداخلية
إن العراق المُجزأ يخدم العديد من المصالح الاستراتيجية
فالدولة الضعيفة تكون أقل قدرة على فرض نفوذها أو تحدي الدول المجاورة. وفي الوقت نفسه، تتحول إلى سوق مفتوحة تعتمد على الاستيراد، والخدمات الخارجية، والاستثمارات الأجنبية. كما تبقى الصناعات المحلية ضعيفة ومتخلفة، مما يزيد من الاعتماد على الاقتصادات الخارجية
وتخلق هذه الديناميكيات نظاماً قائماً على تبادل المصالح
فالدعم يتدفق إلى الداخل، سواء عبر الإسناد السياسي، أو المساعدات المالية، أو النفوذ الموجه نحو جهات وشخصيات محددة. وفي المقابل، تتدفق الفوائد الاقتصادية إلى الخارج عبر التجارة، والعقود، والوصول إلى الأسواق العراقية، بينما يبقى السكان المحليون هم من يدفعون الثمن ويعانون من النتائج
وترتبط الأطراف الخارجية المختلفة بجماعات داخلية مختلفة، مما يعزز الانقسامات القائمة بدلاً من تقليلها
ومع مرور الوقت، يتحول ذلك إلى نظام تصبح فيه الانقسامات الداخلية ليست مجرد حالة قائمة، بل جزءاً وظيفياً من إطار إقليمي أوسع
:ويصبح الولاء متعدد الطبقات
محلي
طائفي
سياسي
خارجي
أما الهوية الوطنية، فتتراجع إلى المرتبة الثانية

مجتمع بلا إطار موحد

إن نتائج هذا التفكك تتجاوز السياسة بكثير
ففي الحياة اليومية، أصبحت الهوية تؤثر على الفرص، والأمان، وحرية الحركة، والوصول إلى الموارد. وفي بعض الحالات، اضطر أفراد إلى تغيير أسمائهم أو تفاصيل هوياتهم للتعامل مع المخاطر، خصوصاً خلال فترات العنف المتصاعد. وحتى في السنوات الأخيرة، يمكن للانتماء إلى جماعات معينة أن يؤثر على فرص الحصول على الأمان أو العمل أو الفرص المختلفة
وهذه ليست مجرد ظواهر نظرية أو مجردة
بل تؤثر على الأماكن التي يذهب إليها الناس، والطريقة التي يقدمون بها أنفسهم، والشبكات التي يختارون الارتباط بها
كما يتراجع الثقة بالمؤسسات الوطنية عندما يُنظر إليها على أنها تمثل جماعات محددة بدلاً من تمثيل المجتمع بأكمله
وقد عزز النظام السياسي نفسه هذا التصور. فالكثير من الوزارات والمؤسسات العامة أصبحت مرتبطة بفصائل أو جهات معينة، حيث تتحول السيطرة على المناصب والموارد إلى مسألة نفوذ وتفاوض وتقاسم مصالح، بدلاً من أن تكون خدمة عامة للدولة والمجتمع
ونتيجة لذلك، تتآكل الثقة بالمؤسسات العامة
وهذا التآكل يترك آثاراً مباشرة على التماسك الاجتماعي
ومع مرور الوقت، يبدأ الأفراد بالتكيف مع النظام كما هو قائم. فيعتمدون على الشبكات والعلاقات، ويُقدّمون هوية الجماعة على الهوية الوطنية، ليس بالضرورة عن قناعة، بل بدافع الضرورة
ويتحول الأمر إلى نظام يجب على الناس التكيف معه لكي يتمكنوا من الاستمرار والعيش داخله

نظام يعزز الانقسام

إن أزمة الهوية في العراق ليست مجرد مشكلة اجتماعية
بل إن النظام نفسه يعززها ويعيد إنتاجها. فالهياكل ذاتها التي تُمكّن الميليشيات، وتحافظ على الفساد، وتوزع النفوذ الاقتصادي، تعمل أيضاً على إضعاف مؤسسات الدولة، بحيث أصبح الكثير منها موجوداً شكلياً أكثر من كونه فاعلاً حقيقياً
إن وجود هوية وطنية موحدة كان سيشكل تحدياً مباشراً لهذا النظام. لأنه سيقلل من أهمية الانقسامات التي يعتمد عليها العديد من الفاعلين السياسيين للحفاظ على نفوذهم وسيطرتهم
ولهذا السبب، لا يملك النظام الحالي أي حافز حقيقي للتحرك نحو الوحدة الوطنية
فالأزمة لا تستمر لأنها غير مفهومة، بل لأنها أصبحت جزءاً متجذراً داخل بنية النظام نفسه
وبدلاً من حل هذه الانقسامات، يجري باستمرار إعادة إنتاجها وتعزيزها من قبل الجهات المستفيدة منها

لماذا يهم ذلك

إن الدولة التي تفتقر إلى شعور مشترك بالهوية تواجه صعوبة في بناء نظام فعّال يخدم سكانها
فإنشاء مؤسسات مستقرة، وسياسات متماسكة، وتخطيط طويل الأمد في مجالات التعليم، والرعاية الصحية، والاقتصاد، يصبح أمراً شديد الصعوبة داخل نظام يقوم على هذا القدر من الانقسام
ومن دون إطار وطني جامع، تتحول عملية الحكم إلى مفاوضات بين جماعات متنافسة بدلاً من أن تكون تنسيقاً لتحقيق أهداف مشتركة
:والنتيجة هي دولة تكافح من أجل تحقيق
النمو الاقتصادي
الأمن
الاستقرار الاجتماعي
وقد بدأ هذا الواقع يؤثر على الطريقة التي تنظر بها الأجيال الشابة إلى ماضي العراق وحاضره
ففي السنوات الأخيرة، بدأ المزيد من الناس بإعادة تقييم فترات الحكم السابقة، بما في ذلك مرحلة حزب البعث في عهد صدام حسين. وبالنسبة للبعض، لا يعكس ذلك بالضرورة تأييداً كاملاً لتلك المرحلة، بل بحثاً عن شيء يبدو مفقوداً اليوم: الشعور بالوحدة، والاتجاه، والهوية الوطنية
الكثيرون لم يعيشوا تلك الفترة بشكل مباشر، بينما عاشها آخرون وشكلوا استنتاجاتهم الخاصة مع مرور الوقت. لكن ما يبدو ثابتاً هو تزايد الإدراك بأن النظام الحالي لا يقدم إطاراً وطنياً متماسكاً
إن أي إصلاح حقيقي يتطلب أكثر من مجرد تغيير السياسات
إنه يحتاج إلى شعور موحد بالهوية والاتجاه، إلى أساس يسمح للأفراد بأن يروا أنفسهم جزءاً من مشروع وطني مشترك، لا مجرد جماعات متنافسة
ومن دون ذلك، يبقى الإصلاح محدوداً
ولهذا السبب، فإن هذا النظام الحالي لن يكون قادراً على تحقيق إصلاح حقيقي
فهو يعيش على الانقسام

الخاتمة

العراق لا يفتقر إلى الهوية
بل يمتلك هويات متعددة، تشكلت عبر التاريخ والسياسة والظروف المختلفة، ومتجذرة في حضارة تمتد لآلاف السنين
لكن التحدي اليوم هو غياب إطار موحد قادر على جمع هذه الهويات تحت مشروع وطني واحد
فالنظام السياسي الحالي يعيش على الانقسام، وأي وحدة حقيقية ستشكل تهديداً مباشراً لأسسه
لقد أخفت فترات الوحدة المفروضة في ظل الأنظمة السابقة هذه الحقيقة، لكنها لم تحلها. أما نظام ما بعد 2003 فقد كشف هذه الانقسامات، وفي كثير من الأحيان عززها، بما يضمن استمرار دولة مجزأة وضعيفة
واليوم أصبحت الهوية في العراق مجزأة، ومُسيّسة، ومترسخة داخل هياكل السلطة نفسها
ومع ذلك، هناك مؤشرات على التغيير
فمع استمرار فشل النظام، بدأ عدد أكبر من الناس في التشكيك به. وأصبحت الأنماط التي كانت تبدو في السابق مجرد فوضى، أو عنف، أو عدم استقرار، أو انقسامات مستهدفة، تُفهم بشكل مختلف تدريجياً. فهناك وعي متزايد بأن كثيراً من هذه الديناميكيات لم تكن عشوائية، بل جزءاً من نظام أوسع يستفيد من الانقسام والفوضى
وهذا التحول في الإدراك مهم للغاية
لأنه يشير إلى أن أسس هذا النظام قد تبدأ مع الوقت بالضعف، ليس من داخل مؤسساته، بل من خلال فقدانه للشرعية في نظر السكان
لكن الوعي وحده لا يكفي
فالعراق يحتاج إلى تغيير جذري
ومن دون إعادة هيكلة النظام الذي شكّل العقدين الماضيين، فإن أي محاولة لإعادة بناء البلاد أو تأسيس هوية وطنية متماسكة ستفشل
فالنظام بأكمله يحتاج إلى الانهيار

Iraq Business Journal

28th of April, 2026

العودة إلى قسم العربية