ثمن الصراع: من يدفع تكلفة الحروب في الشرق الأوسط؟

Photo by Lara Jameson: Pexels.com
أعاد التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وضع الشرق الأوسط مرة أخرى في مركز التوترات الجيوسياسية العالمية
ويأتي ذلك بعد فترة قصيرة فقط من القصف المستمر على غزة وجنوب لبنان
ورغم أن معظم التركيز ينصب على التطورات العسكرية والخطاب السياسي، يبقى هناك سؤال أكثر جوهرية تحت السطح: من الذي يتحمل في النهاية تكلفة هذه الصراعات، وإلى أي مدى يمكن لهذا النموذج أن يستمر مع مرور الوقت؟
تاريخياً، نادراً ما بقيت الصراعات الإقليمية محصورة داخل ساحات القتال المباشرة
بل إن آثارها الاقتصادية والسياسية غالباً ما تمتد إلى الدول المجاورة، وخصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي
فهذه الاقتصادات، التي تعتمد بشكل كبير على الاستقرار، وأسواق الطاقة، وتدفقات الاستثمار طويلة الأمد، شديدة الحساسية تجاه فترات عدم اليقين الطويلة
وقد لعبت دولة الإمارات العربية المتحدة، ودبي على وجه الخصوص، دوراً محورياً في هذا النموذج
فعلى مدى السنوات الماضية، نجحت دبي في ترسيخ نفسها كمركز عالمي لرأس المال، والسياحة، والكفاءات، وجذبت أفراداً وشركات من مختلف أنحاء العالم
وكانت جاذبيتها قائمة على مزيج من الأمان النسبي، وارتفاع مستوى المعيشة، وبيئة ضريبية يُنظر إليها على أنها أكثر ملاءمة مقارنة بالعديد من الاقتصادات الغربية
وخلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد فترة جائحة كورونا، أدت زيادة الضرائب وتشديد القوانين في أجزاء من أوروبا والمملكة المتحدة إلى دفع كثير من الأفراد والشركات لإعادة تقييم أوضاعهم
وبالنسبة للكثيرين، كان ذلك يعني البحث عن مواقع بديلة توفر مرونة مالية أكبر واستقراراً يُنظر إليه على أنه أفضل
وكانت دبي من أبرز المستفيدين من هذا التحول
لكن الواقع أكثر تعقيداً
فبينما لا تزال البيئة الضريبية جذابة، ارتفعت تكاليف المعيشة والتشغيل، خصوصاً بالنسبة للشركات، كما أن الرسوم والتكاليف الإدارية المختلفة قد تقلل من بعض المزايا المتصورة
وبالنسبة للأفراد الباحثين عن العمل، قد يبقى النموذج جذاباً
أما بالنسبة لرواد الأعمال والشركات الصغيرة، فقد تكون تكاليف الدخول مرتفعة بشكل كبير
ومع ذلك، يواصل كثيرون البحث عن فرص خارج بلدانهم، مدفوعين بالسياسات الاقتصادية وحالة الاستياء المتزايدة في أجزاء من أوروبا والمملكة المتحدة
وقبل التصعيد الحالي، كانت دول الخليج تعمل بشكل نشط على ترسيخ نفسها كوجهات لرأس المال والكفاءات، مستفيدة من صورة الاستقرار والفرص الاقتصادية
وقد حققت هذه الاستراتيجية نجاحاً ملحوظاً
لكن عودة التوترات الإقليمية تثير تساؤلات مهمة حول مدى استدامة هذا النموذج تحت ضغط جيوسياسي طويل الأمد
وفي أوقات التصعيد، غالباً ما تنتقل الأعباء المالية للصراع نحو هذه الدول، سواء عبر زيادة الإنفاق الدفاعي، أو تعميق التعاون الأمني، أو من خلال تنازلات اقتصادية غير مباشرة
وهذا ليس نمطاً جديداً، لكنه يزداد وضوحاً وحدّة خلال فترات التوتر المستمر
خلال الأسابيع الأخيرة، وحتى قبل الإعلان عن وقف إطلاق النار، كانت دول الخليج تنفق بالفعل مليارات الدولارات للدفاع عن نفسها في مواجهة التهديدات المستمرة، وغالباً باستخدام أنظمة دفاعية مرتفعة التكلفة ضد وسائل أرخص بكثير مثل الطائرات المسيّرة
وهذا الاختلال وحده يكشف مدى السرعة التي يمكن أن تتصاعد بها التكاليف
والنتيجة كانت متوقعة
فقد جرى توقيع عقود دفاعية ضخمة، وارتفع الإنفاق العسكري بشكل حاد، وبدأ الضغط يتزايد على الموازنات الحكومية
وهذا يأتي حتماً على حساب خطط التنمية طويلة الأمد والمشاريع الاستثمارية، ما يفرض مفاضلات صعبة
وفي الواقع، فإن فكرة “النموذج المعفى من الضرائب” في دول الخليج بدأت بالفعل بالتغير تدريجياً
فالإمارات العربية المتحدة أدخلت ضريبة الشركات خلال السنوات الأخيرة
وعُمان اتجهت نحو فرض ضريبة دخل على أصحاب الدخل المرتفع
كما أن قطر كانت قد طبقت ضرائب على الشركات الأجنبية قبل ذلك بسنوات
وهذه كلها مؤشرات مبكرة على تحول أوسع
ومن المرجح أن تؤدي التوترات الجيوسياسية المستمرة إلى تسريع هذا الاتجاه
فمع تزايد عدد السكان، وارتفاع الإنفاق، وتصاعد التكاليف الأمنية، ستزداد الحاجة إلى توليد إيرادات إضافية
والنموذج الذي كان يعتمد سابقاً على الضرائب المنخفضة والإيرادات الخارجية المرتفعة، يعاد تشكيله تدريجياً، بينما ستساهم حالة عدم الاستقرار الطويلة في المنطقة في تسريع هذا التحول أكثر
وفي الوقت نفسه، لا يزال استمرار التنافس الجيوسياسي في المنطقة يؤثر بشكل مباشر على القرارات الاقتصادية
فبالنسبة لدول الخليج، لا يُعتبر الاستقرار مجرد هدف سياسي، بل هو أساس النموذج الاقتصادي نفسه
فخطط التنمية طويلة الأمد، واستراتيجيات التنويع الاقتصادي، والاستثمارات الأجنبية، كلها تعتمد على وجود بيئة مستقرة نسبياً ويمكن التنبؤ بها
وأي اضطراب طويل الأمد يضع هذه الطموحات تحت ضغط متزايد
كما تثير هذه التطورات أسئلة أوسع حول بنية الأمن الإقليمي نفسها
فإلى أي مدى ترغب القوى الخارجية في استمرار حالة التوتر لفترات طويلة؟ وكيف ينعكس ذلك على العلاقات الاقتصادية داخل المنطقة؟
فالشراكات الدفاعية، واتفاقيات السلاح، والضمانات الأمنية، تحمل تبعات مالية ضخمة، وغالباً ما تؤثر على أولويات الدول مع مرور الوقت
وقد تم التعبير عن هذه الديناميكيات بشكل علني في بعض الأحيان
فالتصريحات الصادرة عن الإدارة الأمريكية، خصوصاً خلال فترة دونالد ترامب، ركزت بشكل واضح على حجم الالتزامات المالية والاستثمارات القادمة من دول الخليج
كما تبعت الزيارات الرسمية رفيعة المستوى إعلانات عن استثمارات ضخمة وصلت إلى تريليونات الدولارات مع مرور الوقت، وقدمت باعتبارها شراكات استراتيجية، بينما اعتبرها كثيرون دليلاً على ضعف تلك الحكومات
وبعيداً عن العناوين الإعلامية، تكشف هذه اللحظات حقيقة أعمق: الالتزامات المالية غالباً ما ترتبط بشكل وثيق بالعلاقات الأمنية
وسواء تم تقديمها تحت مسمى الاستثمار، أو التعاون، أو التحالف، فإن التوقع بوجود مساهمة اقتصادية يبقى جزءاً أساسياً من المعادلة
وفي سياق الصراعات المستمرة، تصبح هذه الديناميكية أكثر وضوحاً
فكلما ارتفعت التهديدات الأمنية، ازداد الإنفاق الدفاعي، وظهرت اتفاقيات جديدة، وتوسعت الالتزامات المالية
والنتيجة هي دورة مستمرة، حيث يؤدي عدم الاستقرار إلى زيادة الإنفاق، بينما يعزز الإنفاق نفسه أنماط الاعتماد القائمة
وهذا يطرح أسئلة أكثر صعوبة
إلى أي مدى يُسمح لهذه الديناميكية بالاستمرار؟ ومن المستفيد الحقيقي من بقائها؟
وفي ظل الاختلال الواضح في القدرات العسكرية، تصبح مسألة مدة الصراع ذات أهمية خاصة
فإذا كان بالإمكان احتواء التصعيد أو إنهاؤه بسرعة أكبر، فلماذا يبدو أن الصراع يمتد مع الوقت بدلاً من أن ينتهي؟
أحد التفسيرات المحتملة يكمن في البعد الاقتصادي لحالة عدم الاستقرار الطويلة
فاستمرار التوتر يحافظ على الطلب على أنظمة الدفاع، والتعاون الأمني، والاتفاقيات طويلة الأمد
وسواء كان ذلك مقصوداً أم لا، فإن الحوافز المالية المرتبطة باستمرار الصراع تبقى كبيرة، خصوصاً بالنسبة للصناعات والجهات المستفيدة من تصاعد الإنفاق
وهذه ليست أسئلة بسيطة، ولا تملك إجابات مباشرة
لكن مع استمرار الصراع، يصبح من الصعب تجاهل الحوافز الأوسع التي قد تكون موجودة إلى جانب الأهداف الاستراتيجية المعلنة
كما تلعب أسواق الطاقة دوراً محورياً في هذه المعادلة
فأي اضطراب في ممرات حيوية مثل مضيق هرمز يحمل آثاراً عالمية فورية، تؤثر على الأسعار، وسلاسل الإمداد، والثقة الاقتصادية
ويمر عبر هذا الممر نحو 20٪ من إمدادات النفط العالمية، ما يجعله أحد أهم نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي
في التطورات الأخيرة، تصاعدت التوترات حول مضيق هرمز بشكل كبير
فقد ساهمت القيود الإيرانية على المرور، واستهداف السفن، وحالات الإغلاق، في زيادة حالة عدم اليقين
وفي الوقت نفسه، بدت ردود الفعل الأمريكية متناقضة أحياناً، إذ حاولت الابتعاد عن المسؤولية المباشرة من جهة، بينما دعت من جهة أخرى إلى إبقاء الممر مفتوحاً وآمناً
وتثير هذه الرسائل المتباينة مزيداً من التساؤلات
فإذا كان استقرار هذا الممر الحيوي ضرورياً للأسواق العالمية، فلماذا يبدو أن الوضع يتحرك في دورات متكررة من التصعيد بدلاً من الوصول إلى حل؟
وإذا كانت هناك بدائل مطروحة، مثل زيادة الاعتماد على صادرات الطاقة الأمريكية، كما صرحت هذه الإدارة الأمريكية بوضوح، فما الدور الذي يلعبه ذلك في تشكيل الاستراتيجية الأوسع؟
فالآثار المترتبة على ذلك كبيرة
إذ إن الاضطراب المستمر يدعم ارتفاع الأسعار، ويعيد تشكيل تدفقات التجارة، ويخلق أنماط اعتماد جديدة
وبالنسبة لبعض الأطراف، قد تمثل هذه البيئة مكاسب اقتصادية، حتى وإن كانت تشكل خطراً على أطراف أخرى
وهذا يعيدنا إلى سؤال أكثر جوهرية: ما الهدف النهائي من استمرار بيئة بهذا القدر من التقلب؟ ومن المستفيد الحقيقي من استمرارها؟
هناك نمط تاريخي لا يمكن تجاهله
فالصراعات السابقة في المنطقة لم تدمّر الدول فحسب، بل أعادت تشكيل اقتصادات كاملة وهياكل السلطة فيها
والعراق هو المثال الأوضح
فغزو عام 2003 لم يؤدِ فقط إلى دمار مادي، بل خلق ضعفاً مؤسسياً طويل الأمد، واعتماداً اقتصادياً، وتفككاً سياسياً لا تزال آثاره مستمرة حتى اليوم
ولم تكن دول الخليج مجرد مراقب سلبي في تلك المرحلة
فكما أقر مسؤولون كبار علناً، بمن فيهم قيادات سابقة في قطر، ساهمت دول الخليج بشكل كبير في تمويل تكلفة الغزو، انطلاقاً من النظر إلى العراق باعتباره تهديداً
ولعبت الكويت بشكل خاص دوراً مباشراً في دعم ذلك المسار
كما جلبت المرحلة اللاحقة مكاسب اقتصادية واضحة لبعض دول المنطقة
فانهيار العراق فتح الباب أمام أسواق إعادة التصدير، وتدفقات رؤوس الأموال، وفرص استثمارية لم تكن متاحة قبل عام 2003
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار ضعف الدولة العراقية خدم، بطرق عديدة، المصالح الاقتصادية الإقليمية
فالدعم، سواء كان مباشراً أو غير مباشر، ساهم في الحفاظ على نظام بقي معتمداً ومفككاً وغير قادر على التعافي الكامل
وهذا يطرح سؤالاً غير مريح لكنه ضروري: إذا ظهرت ظروف مشابهة في مكان آخر، فهل سيتكرر النهج نفسه؟
لقد وضع الصراع الحالي دول الخليج في موقع صعب لكنه حاسم
فالهجمات المستمرة على البنية التحتية والأصول الاقتصادية تهدد بشكل مباشر الاستقرار الذي يقوم عليه نموذجها الاقتصادي بالكامل
وفي مثل هذه البيئة، يصبح الحفاظ على الحياد أكثر صعوبة مع مرور الوقت
والواقع أن عدم الاستقرار الطويل يفرض التحرك
فالمليارات ستُنفق، سواء على الدفاع، أو الأمن، أو أهداف استراتيجية أوسع
كما أن الضغط لاحتواء التهديدات والقضاء عليها سيزداد، ومن المرجح أن يتبعه انخراط مالي متزايد
وقد كشف هذا الصراع حقيقة أساسية: هذه النماذج الاقتصادية تعتمد بشكل كبير على الاستقرار الإقليمي
ومن دونه، لا يمكنها العمل بالشكل المطلوب
ولهذا، تبدو أولوية حكومات الخليج واضحة: إعادة الاستقرار بأسرع وقت ممكن
لكن ما يبقى أقل وضوحاً هو ما إذا كانت جميع الأطراف المنخرطة تشترك في الهدف نفسه، أم أن استمرار حالة عدم الاستقرار يخدم مصالح أخرى
وبالنظر إلى المستقبل، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بكيفية تطور التوترات الحالية، بل بمدى قدرة المنطقة على تحمل بيئة كهذه لفترة طويلة
فعدم الاستقرار الممتد يحمل تكاليف تراكمية، اقتصادية وسياسية واجتماعية، تتجاوز بكثير الأطراف المنخرطة بشكل مباشر
وبالنسبة لدول الخليج، سيبقى التوازن بين المخاوف الأمنية والأولويات الاقتصادية تحدياً محورياً
وفي الوقت نفسه، على القوى الخارجية أن تأخذ بعين الاعتبار التداعيات طويلة الأمد لمنطقة تعيش حالة اضطراب مستمر
فحتى لو وُجدت مكاسب استراتيجية أو اقتصادية قصيرة الأمد، فإن استمرار الفوضى لفترة طويلة يهدد بخلق مشكلات هيكلية أعمق يصعب التحكم بها لاحقاً
وفي النهاية، سيتحدد مسار المنطقة من خلال تفاعل معقد بين القرارات السياسية، والمصالح الاقتصادية، والاعتبارات الأمنية
لكن ما يبقى واضحاً هو أن تكلفة الصراع نادراً ما تقتصر على الأطراف المنخرطة فيه بشكل مباشر
بل يتم توزيعها على المنطقة بأكملها، وغالباً بطرق لا تكون ظاهرة فوراً، لكنها عميقة التأثير
وأصبح من الواضح بشكل متزايد أن دول الخليج ستُدفع لتحمل جزء كبير من العبء المالي لهذا الصراع، كما حدث في أزمات إقليمية سابقة
فحجم وطبيعة الهجمات الأخيرة على البنية التحتية والأصول الاقتصادية كشفت مستوى من الهشاشة لا يمكن تجاهله
كما أن الثقة في هذه النماذج الاقتصادية تعرضت للاهتزاز
وعندما تضعف هذه الثقة، فإن استعادتها ليست عملية سريعة أو سهلة، بل قد تستغرق سنوات
وبالنسبة لاقتصادات تعتمد على الاستقرار، والاستثمار، والتخطيط طويل الأمد، فإن ذلك يمثل خطراً حقيقياً
ولهذا، فإن الأولوية بالنسبة لهذه الدول يجب أن تكون إنهاء الصراع بسرعة، مهما كانت التكلفة المالية
فكلما طال أمد الصراع، ازداد الضرر، ليس فقط مادياً، بل اقتصادياً وهيكلياً أيضاً
وحتى لو غيّرت الحكومة الإيرانية نهجها مستقبلاً، فإن الثقة بين هذه الدول قد تضررت بشكل عميق، ومن غير المرجح إصلاحها بسهولة
فالواقع بسيط: الاستقرار ليس خياراً بالنسبة لهذه الاقتصادات، بل ضرورة وجودية
ومن دونه، يبدأ النموذج الاقتصادي نفسه بالتفكك
أما ما إذا كان هذا المسار يتوافق مع مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، فذلك سؤال مختلف تماماً

Iraq Business Journal

13th of April, 2026

العودة إلى قسم العربية