الدولة الموازية: كيف أصبحت الميليشيات جزءاً من النظام العراقي

Photo by Frederick Shaw on Unsplash
لا يمكن فهم النظام السياسي والاقتصادي في العراق من دون دراسة واحدة من أبرز سماته: وجود جماعات مسلحة تعمل داخل الدولة وخارجها في الوقت نفسه. ميليشيات مسلحة تُعيد تشكيل المؤسسات والبرلمان كما تشاء، بدعم من طبقة سياسية فاسدة تم تنصيبها بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003
وغالباً ما توصف هذه الجماعات بأنها “جهات غير حكومية”. لكن الواقع أن الكثير منها أصبح متغلغلاً بعمق داخل الدولة نفسها، يعمل عبر الهياكل الرسمية مع الحفاظ على سلاسل قيادة مستقلة. فالولاء ليس للدولة، بل لشخصيات سياسية وأطراف خارجية
وهذا ليس أمراً جديداً. هكذا تطور النظام بعد عام 2003، حيث تم تمكين هذه الجماعات أولاً خلال فترة الاحتلال الأمريكي، ثم تعزز نفوذها مع مرور الوقت عبر التأثير الإقليمي، خصوصاً الإيراني. وتم لاحقاً إضفاء الطابع الرسمي على العديد من هذه الجماعات داخل مؤسسات الدولة، حيث أصبحت تتلقى الرواتب والاعتراف الرسمي، مع استمرارها في العمل باستقلالية كبيرة
وما ظهر خلال العقدين الماضيين هو نظام هجين تتداخل فيه الجماعات المسلحة، والأحزاب السياسية، ومؤسسات الدولة
إنه هيكل صُمم بحيث يكون من الصعب تفكيكه، ما خلق دائرة مستمرة من الخلل والفوضى. فالنظام يعيد إنتاج نفسه، ويخدم الأطراف الخارجية والدول المجاورة، بينما يحرم الشعب العراقي من الخدمات الأساسية، والفرص، وأي طريق حقيقي نحو النمو أو الاستقرار
لقد أصبحت الدولة الموازية هي النظام نفسه
وإذا سقط أحدهما، سيسقط الآخر معه

من الانهيار إلى ترسيخ النفوذ

تعود جذور هذا النظام إلى الفترة التي أعقبت عام 2003. وظهرت المؤشرات الأولى عندما بدأت القوات الأمريكية وقوات التحالف بدمج جماعات مسلحة، وعلى رأسها منظمة بدر، ضمن خطط إنشاء القوات الأمنية العراقية الجديدة
إن تفكيك المؤسسات الأمنية العراقية القائمة آنذاك خلق فراغاً هائلاً. وفي ذلك الفراغ ظهرت جماعات مسلحة متعددة، بعضها تشكل محلياً، وبعضها عاد من المنفى، والكثير منها حظي بدعم خارجي، خصوصاً من إيران
ولم تكن هذه الجماعات تعمل بمعزل عن الآخرين
فقد حصلت على التمويل والدعم، وفي كثير من الحالات جرى تشجيعها بشكل مباشر. ومن خلال المال والنفوذ، تمكنت من تجنيد أشخاص كانوا إما متوافقين معها أيديولوجياً أو مدفوعين باليأس الاقتصادي
وفي الوقت نفسه، أدى قرار حل الجيش العراقي على يد بول بريمر إلى إزالة واحدة من آخر المؤسسات الوطنية القادرة على حفظ النظام
وما تلا ذلك كان إعادة تشكيل كاملة لموازين القوة، ضمنت لهذه الجماعات توسيع نفوذها مع تشكل النظام الجديد
وقد أدى ذلك فعلياً إلى تحييد أي تهديدات محتملة للنظام الناشئ
ومع مرور الوقت، عززت هذه الجماعات سيطرتها على مصادر دخل رئيسية، بما في ذلك شبكات تهريب النفط والموانئ الصغيرة، ما وفر لها تدفقات مالية مستمرة مكنتها من توسيع التجنيد وتعزيز نفوذها
وقد جعلها هذا الاستقلال المالي أكثر صعوبة من حيث المواجهة أو الاحتواء
ومع تزايد ثقتها بنفسها، تحولت هذه الميليشيات إلى كيانات لا يجرؤ كثيرون على تحديها. ولم يعد نفوذها مقتصراً على الجانب الأمني، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث أصبح الترهيب أمراً اعتيادياً
وأصبحت عمليات الخطف، والتعذيب، والاغتيالات جزءاً من المشهد
وبالنسبة لكثيرين، لم يكن هناك ملجأ أو حماية
وكل ذلك جرى أمام أعين القوات الأمريكية وقوات التحالف
وقد جرى دمج العديد من هذه الجماعات المسلحة تدريجياً داخل الهياكل الأمنية الجديدة، بما في ذلك بعض وحدات الجيش العراقي
في البداية، كانت هذه الجماعات تعمل كقوى مستقلة من خلال ملء الفراغات الأمنية ودفع أجنداتها السياسية والأيديولوجية
لكن دورها تطور مع الوقت
فبدلاً من تفكيكها أو دمجها ضمن إطار وطني محايد، تم استيعاب الكثير منها داخل الدولة مع احتفاظها باستقلاليتها
وأصبح هذا الترتيب جزءاً بنيوياً من النظام
وبالتوازي مع ذلك، بدأت شبكات أمنية خاصة أصغر حجماً بالظهور. لم تكن دائماً مُسجلة رسمياً على الورق، لكنها كانت حقيقية تماماً على أرض الواقع. فقد أنشأت هذه الجماعات مكاتب خاصة بها، وبدأت بتجنيد العاطلين عن العمل واليائسين، مقدمةً لهم وظائف في حماية الشركات الأجنبية، والمكاتب، وخطوط الشحن، والموانئ، وغيرها من العمليات عالية المخاطر
وكان التبرير واضحاً: وجود مقاومة مسلحة خلق طلباً متزايداً على الحماية الأمنية
لكن الواقع كان أوسع بكثير
فالاحتلال لم يكن مجرد قوات عسكرية، بل جلب معه منظومة كاملة من الشركات الأجنبية، والمتعاقدين، والعمليات اللوجستية، وكلها احتاجت إلى الحماية. وأصبحت هذه الجهات أهدافاً، وفي المقابل توسعت هذه الكيانات الأمنية شبه الرسمية بسرعة كبيرة
ومع مرور الوقت، أصبحت متجذرة داخل البيئات المحلية
وبدأت جماعات مختلفة بفرض سيطرتها على مناطق محددة، شارعاً بعد شارع، حيث حاول كل طرف فرض نفوذه وهيمنته على نطاق نشاطه الخاص
والعديد ممن جرى تجنيدهم انتقلوا لاحقاً إلى العمل داخل الهياكل الرسمية، سواء في حماية السياسيين أو ضمن الجيش والشرطة والمؤسسات الحكومية الجديدة
لكن ولاءاتهم لم تتغير بالكامل
ففي كثير من الحالات، بقيت ارتباطاتهم الحقيقية مرتبطة بالشبكات والجماعات التي جاءوا منها، وحملوا هذا النفوذ معهم مباشرة إلى المؤسسات التي كان يُفترض أن تحل محل تلك الجماعات

طابع مؤسسي دون اندماج حقيقي

شكّل إنشاء وتوسع تشكيلات مثل الحشد الشعبي نقطة تحول مفصلية
وكانت هذه، في كثير من النواحي، نقطة اللاعودة، ولهذا السبب يطالب كثيرون اليوم بحل الحشد الشعبي بشكل كامل
لقد وفّر ظهور تنظيم داعش الظروف لتعبئة سريعة، كما منح تأسيس الحشد الشعبي، بدعم من فتوى دينية صدرت من النجف وعلي السيستاني، لهذه الجماعات الشرعية والحجم والنفوذ
لكن هذه اللحظة لم تكن مرتبطة بالأمن فقط
بل أصبحت فرصة
فنظام تشكّل أساساً على الفساد استغل هذه اللحظة لتعزيز سلطته بشكل أكبر، من خلال ترسيخ الجماعات المسلحة داخل بنية الدولة وتوسيع نفوذها تحت شعار الضرورة والأمن
وكانت النتائج بعيدة المدى
فقد تعرضت شرائح واسعة من السكان السنة إلى القمع، مما عزز فكرة أن أي تهديد محتمل للنظام سيتم احتواؤه وحسمه بالقوة
وفي الوقت نفسه، لم تقتصر المعارضة على فئة واحدة
فحركة تشرين، التي قادها بشكل رئيسي شباب من المناطق الجنوبية ذات الأغلبية الشيعية، واجهت أيضاً العنف والقمع. وعلى الرغم من ادعاءات التمثيل، فإن كل من تحدى النظام عومل كتهديد
وباسم الأمن والاستقرار، تم قمع الأصوات المعارضة
وأصبحت عمليات الخطف، والتعذيب، والإخفاء القسري أنماطاً متكررة. ولا يزال كثيرون مفقودين حتى اليوم
وفي المناطق ذات الأغلبية السنية، دُمّرت مدن كاملة خلال العمليات ضد داعش. وخلفت تلك المرحلة آثاراً عميقة: نزوحاً جماعياً، واعتقالات دون أساس قانوني واضح، وتقارير مستمرة عن احتجاز أشخاص من دون إجراءات قانونية حقيقية
وخلال هذه الفترة، بدأت جماعات مسلحة أخرى عديدة بالظهور، بأسماء مختلفة وقيادات مختلفة، لكنها تتبع النموذج نفسه
:وأصبحت الفكرة بسيطة
من يستطيع تشكيل جماعة مسلحة، يمكنه لاحقاً الحصول على التمويل عبر قنوات الدولة أو الشبكات المرتبطة بها
وما بدأ كتعبئة أمنية تحول تدريجياً إلى فرصة تجارية، وإلى وسيلة سريعة للثراء
ومع مرور الوقت، أصبح تأسيس الجماعات المسلحة، في كثير من الحالات، طريقاً لتحقيق المكاسب المالية. فقد جرى توجيه الأموال العامة والموارد نحو دعم هذه الهياكل وتحويلها إلى كيانات مستدامة وممولة بشكل كبير
وتم، ولا يزال، إنفاق ملايين الدولارات لدعم هذه الجماعات وتوسيع نفوذها
ومع ازدياد قوتها، لم يعد نشاط الكثير منها مقتصراً على الجانب الأمني، بل امتد إلى النشاط الاقتصادي، بما في ذلك شبكات غسل الأموال والاستثمارات داخل القطاع الخاص في العراق
وما بدأ كجهد تعبئة خلال فترة أزمة، جرى لاحقاً إضفاء الطابع الرسمي عليه داخل مؤسسات الدولة. فحصلت هذه الجماعات على الرواتب، والاعتراف القانوني، والصفة الرسمية
واستمر تدفق التمويل عبر قنوات حكومية متعددة، ما سمح لهذه التنظيمات بتوسيع نفوذها إلى ما هو أبعد بكثير من الملف الأمني
ومع مرور الوقت، امتد تأثيرها إلى قطاعات رئيسية داخل الاقتصاد والقطاع الخاص
ومن المعروف على نطاق واسع أن العديد من المشاريع الكبرى، والمجمعات السكنية، والمطاعم، والشركات الخدمية والتجارية في العراق ترتبط بهذه الشبكات، وغالباً ما تعمل عبر واجهات وأشخاص صوريين لإخفاء الملكية والسيطرة الحقيقية
لكن إضفاء الطابع المؤسسي لم يكن يعني الاندماج الحقيقي
فهذه الجماعات احتفظت بهياكل قيادة مستقلة، وسلاسل ولاء منفصلة، واستمرت بالعمل باستقلالية واسعة. وفي الواقع، حملت معها إلى داخل الدولة أساليبها الخاصة، المبنية على الإكراه، والفساد، والسيطرة على السكان المحليين
وتشير التقارير والشهادات على مدى السنوات إلى أنماط متكررة من الترهيب، من بينها إجبار الناس على بيع ممتلكاتهم، ومصادرة الأصول، وتهجير السكان، واستخدام الاعتقال، والتعذيب، والخطف، والإخفاء القسري للحفاظ على النفوذ والسلطة
إن دمج مثل هذه الشبكات داخل المؤسسات الأمنية للدولة لا يعيد النظام، بل يهدد بتحويل تلك الممارسات إلى واقع رسمي محمي من داخل الدولة نفسها
وفي الممارسة العملية، خلق ذلك نظاماً توجد فيه مراكز قوة متعددة تعمل في الوقت نفسه، وكلها مترابطة فيما بينها

نفوذ يتجاوز الجانب الأمني

إن نفوذ هذه الجماعات يتجاوز بكثير المسائل الأمنية
فمع مرور الوقت، تمكنت من ترسيخ وجودها داخل قطاعات رئيسية من الدولة والاقتصاد، بما في ذلك المنافذ الحدودية، وطرق التجارة، والجمارك والخدمات اللوجستية، وعقود إعادة الإعمار، وشبكات الجباية غير الرسمية، وعمليات غسل الأموال
وقد منحها هذا المستوى من السيطرة القدرة على توليد الإيرادات بشكل مستقل، وفي الوقت نفسه التأثير المباشر على النشاط الاقتصادي نفسه
وفي الواقع، أصبحت هناك هياكل موازية تعمل إلى جانب الدولة الرسمية، تمارس السلطة، وتستخرج الموارد، وتفرض السيطرة على السكان المحليين
وما يلفت الانتباه هو استمرار هذا الواقع رغم كل الضغوط الممتدة عبر السنوات، من القمع والإكراه إلى النفوذ الأيديولوجي
ففي بلد ارتبط تاريخياً بالحركات السياسية والانتفاضات التي أثرت في المنطقة بأكملها، يثير استمرار هذا النظام تساؤلات مهمة حول كيفية الحفاظ على السلطة وكيف تتم مقاومة التغيير
كما يرتبط هذا النفوذ بشكل مباشر بالنظام السياسي والاقتصادي الأوسع الذي جرى الحديث عنه سابقاً
فداخل البرلمان العراقي، يرتبط العديد من الشخصيات السياسية ارتباطاً وثيقاً بالجماعات المسلحة. بعضهم مدعوم بشكل مباشر منها، والبعض الآخر يرتبط علناً بهياكل الميليشيات رغم شغله مناصب سياسية رسمية داخل الدولة

الميليشيات ليست مجرد جهات أمنية، بل جهات اقتصادية أيضاً

فمنذ البداية، استُخدمت الخطابات الأيديولوجية ليس فقط للتعبئة والحشد، بل أيضاً كغطاء للتوسع الاقتصادي، والفساد، واستنزاف موارد العراق على نطاق واسع
إن تورط هذه الجماعات في توزيع العقود، وترتيبات الحماية، والتجارة غير الرسمية، وعمليات التهريب، والتحكم بتدفقات الموارد، يضعها بشكل مباشر داخل البنية السياسية والاقتصادية للعراق
فهي تعمل كقوة اقتصادية بقدر ما تعمل كقوة قسرية
وهذا يخلق نظاماً متبادلاً يعزز نفسه بنفسه: فالموارد الاقتصادية تموّل هذه الجماعات، وفي المقابل تقوم هذه الجماعات بحماية والحفاظ على البيئة السياسية والاقتصادية التي تسمح لها بالاستمرار
كل طرف يعتمد على الآخر
وهذا الترابط يجعل أي إصلاح حقيقي أمراً شديد الصعوبة. فالتصريحات العلنية حول حل الميليشيات تتكرر باستمرار، لكنها نادراً ما تُتبع بإجراءات فعلية، لأن تفكيك هذه الجماعات يعني عملياً تفكيك النظام الذي يحافظ على استمرار الطبقة السياسية الفاسدة الحالية

الحماية السياسية والارتباطات المتبادلة

إن العلاقة بين الميليشيات والأحزاب السياسية تُعد مفتاحاً أساسياً لفهم دور هذه الجماعات داخل النظام العراقي
فالعديد من الجماعات المسلحة ترتبط، بشكل رسمي أو غير رسمي، بحركات وأحزاب سياسية. وتوفر هذه العلاقات غطاءً قانونياً، وإمكانية الوصول إلى موارد الدولة، والنفوذ على القرارات السياسية والتعيينات
ومن المعروف على نطاق واسع أن المناصب الوزارية يتم التفاوض عليها بين الفصائل المتنافسة، وغالباً ما تتضمن مبالغ مالية ضخمة تصل إلى ملايين الدولارات الأمريكية. ولا يقتصر هذا النمط على المناصب العليا فقط، بل يمتد عميقاً داخل مؤسسات الدولة، حيث يمكن أن تتأثر التعيينات على مختلف المستويات بالانتماء، أو النفوذ، أو الدفع المالي بدلاً من الكفاءة والاستحقاق
وفي المقابل، يستفيد السياسيون من الغطاء الأمني، والقدرة على فرض النفوذ، وأدوات الضغط على الخصوم
وغالباً ما تُعرض الخلافات العلنية بين الشخصيات السياسية على أنها صراعات تتعلق بالفساد أو الإدارة، لكن الواقع يشير إلى أنها تعكس في كثير من الأحيان تنافساً أعمق على السيطرة على الوزارات، والمؤسسات، ومصادر الإيرادات
وعادةً ما يتم احتواء هذه الصراعات عبر إعادة توزيع المناصب، والنفوذ، وإمكانية الوصول إلى الموارد، مما يؤدي إلى فترات مؤقتة من الاستقرار
لكن هذه الفترات غالباً ما تدوم أسابيع أو أشهراً، وليس سنوات
وهذا الترابط يطمس الحدود الفاصلة بين السلطة السياسية والقوة القسرية المسلحة

لماذا لا يمكن إزالتها بسهولة

تكررت الدعوات إلى حل الميليشيات أو دمجها بالكامل داخل الدولة
لكن هذه الجهود نادراً ما تتجاوز حدود الخطابات والتصريحات
والسبب في ذلك بنيوي
فالنظام نفسه يعتمد على استمرار وجود هذه الجماعات ودورها. إذ إن إزالتها ستؤدي إلى اضطراب موازين القوى الحالية، وتهدد التحالفات السياسية، وتقطع الوصول إلى مصادر اقتصادية رئيسية
وفي الواقع، فإن إزالة هذه الجماعات فعلياً تعني انهيار النظام السياسي القائم حالياً
فمثل هذا التحول سيفتح المجال أمام عودة قوى سياسية بديلة، بما في ذلك القوى التي تم تهميشها، أو إسكاتها، أو دفعها إلى المنفى. وداخل العراق، لا يزال كثيرون غير قادرين على التحرك أو التعبير بشكل علني خوفاً من الانتقام
وبالنسبة للجهات المرتبطة بالنظام الحالي، فإن هذا السيناريو يُعتبر كارثياً
فالأمر لا يتعلق فقط بفقدان السلطة
بل إن انهيار النظام سيكشف سنوات طويلة من الممارسات المتراكمة، والفساد، والعنف، والانتهاكات، وهي أمور قد تترتب عليها تبعات قانونية وسياسية خطيرة. فالكثير من الأطراف أصبحت مرتبطة بهذا الهيكل بشكل عميق، وأصبح بقاؤها مرتبطاً باستمرار النظام نفسه
وأي انهيار محتمل قد يدفع العديد منهم إلى محاولة الهروب من البلاد بشكل فوري
كما أن العوامل الإقليمية تعزز هذا الواقع بشكل إضافي
فالدعم الخارجي، وخصوصاً من إيران، لعب دوراً محورياً في الحفاظ على النظام الحالي. وأي تغير في هذا الدعم، وخاصة إذا صدر من إيران، سيؤدي إلى تغيير موازين القوى وقد يسرّع من حدوث تحولات كبيرة داخل العراق

الرأي العام وتراجع الشرعية

لقد تطورت نظرة الشارع العراقي تجاه الميليشيات مع مرور الوقت
ففي المراحل الأولى، كانت بعض هذه الجماعات تُنظر إليها باعتبارها جهات حامية، أو قوى مقاومة، أو أطرافاً ضرورية في فترات عدم الاستقرار. لكن هذا التصور بدأ يتغير تدريجياً
وقد كشفت أحداث حركة تشرين عن مستوى متزايد من الغضب والإحباط الشعبي. وبالنسبة للكثيرين، أصبح واضحاً أن الخطابات والشعارات المرفوعة كانت مرتبطة بالمكاسب الاقتصادية والفساد أكثر من ارتباطها بتمثيل حقيقي للمجتمع
وجاء رد فعل الدولة ليعزز هذا الانطباع
فقد استُخدمت الميليشيات والجماعات المسلحة لقمع الحركة، ما أدى إلى عمليات قتل، واعتقالات، وتعذيب، وحالات اختفاء قسري
ونتيجة لذلك، بدأ كثير من العراقيين ينظرون إلى هذه الجماعات ليس باعتبارها جهات حامية، بل كجزء من النظام الذي يمنع الإصلاح والمحاسبة
ويبدو أن هذا التصور يزداد قوة عاماً بعد عام. كما أصبحت الدعوات إلى حل الميليشيات وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية بهدف إزالة نفوذها أكثر انتشاراً واتساعاً
ويُعد هذا التحول في المزاج الشعبي أمراً مهماً
لكنه لم يتحول بعد إلى تغيير بنيوي حقيقي
فأي تحول فعلي يتطلب توافر عدة عوامل في الوقت نفسه. وربما بدأت بعض هذه الظروف بالظهور، لكن الصورة ما تزال غير مكتملة

الدولة الموازية في الواقع العملي

:يعمل العراق اليوم عبر طبقات متداخلة من السلطة
المؤسسات الرسمية (الحكومة، الوزارات، والقوات الأمنية الرسمية)
الشبكات غير الرسمية (التحالفات السياسية، وأنظمة المحسوبية)
الجماعات المسلحة التي تمتلك اعترافاً مؤسسياً لكنها تحتفظ باستقلالية تشغيلية
وهذه الطبقات لا تعمل بشكل منفصل
بل تتفاعل، وتتنافس، وتتعاون في الوقت نفسه
وهذا ما يعرّف واقع العراق الحالي
فهذا الوضع أصبح متجذراً داخل النظام نفسه. فالنظام يعتمد على وجود هذه الجماعات، وفي المقابل فإن اعتماد هذه الجماعات على البنية السياسية الحالية يضمن استمرارها
وهذه العلاقة تحافظ على تدفق السلطة والموارد، وتولد ثروات هائلة لكل من الجماعات المسلحة والفاعلين السياسيين

تداعيات ذلك على الإصلاح

إن وجود هذه الدولة الموازية يترك آثاراً مباشرة على أي محاولات للإصلاح. فجهود تقوية المؤسسات، وتحسين الإدارة، وإعادة هيكلة الاقتصاد، تواجه باستمرار المقاومة أو التعطيل
فإصلاح النظام الحالي سيهدد بشكل مباشر الأسس المالية التي تعتمد عليها العديد من الجماعات السياسية والمسلحة
وبالنسبة لهم، يُعتبر ذلك تهديداً مباشراً لبقائهم
فالنظام الحالي يضمن الوصول إلى المال، والنفوذ، والحماية. وأي محاولة لتعطيله تعني تفكيك هذه الشبكات
ولهذا السبب، يبقى الإصلاح الحقيقي أمراً غير مقبول من داخل النظام نفسه
فخسارة السلطة تعني خسارة الوصول إلى الموارد
وفي هذا النظام، السلطة والمال أمران لا ينفصلان

الخاتمة

إن تحدي العراق لا يتمثل فقط في وجود الميليشيات، بل في النظام بأكمله الذي يحتاج إلى تغيير جذري
فهذا النظام سمح للجماعات المسلحة بالعمل داخل الدولة، مع بقائها في الوقت نفسه مستقلة عنها جزئياً
وهذه الازدواجية تقع في صميم الواقع السياسي والاقتصادي للعراق
فالبنية الحالية لا تستطيع الاستمرار من دون الفساد، والجماعات المسلحة، والتأثير الخارجي. وفي اللحظة التي يتم فيها إزالة هذه العناصر، يبدأ النظام نفسه بالانهيار
لقد أصبحت الدولة الموازية سمة أساسية لكيفية تنظيم السلطة في العراق
وفهم هذا الواقع ضروري لفهم سبب صعوبة الإصلاح، ولماذا يستمر النظام بالعمل بالشكل الحالي
إن ما يحتاجه العراق هو قطيعة جذرية مع ما تم بناؤه خلال العقدين الماضيين
فمن دون إعادة هيكلة كاملة للنظام السياسي، ستستمر الدورة نفسها، وعلى حساب الأجيال القادمة

Iraq Business Journal

24th of April, 2026

العودة إلى قسم العربية