مخاطر الذكاء الاصطناعي على الاقتصادات والمجتمعات العالمية

الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تحول تكنولوجي، بل يمثل خطراً هيكلياً على التوازن الاقتصادي والاستقرار السياسي
فهو يواصل بالفعل إحداث اضطراب في سوق العمل منذ عدة سنوات، ومن المرجح أن يتسارع هذا الاضطراب خلال السنوات القادمة
وهذا التحول لا يمكن مقارنته بالثورة الصناعية، رغم الطريقة التي يصوره بها كثير من السياسيين
فالثورة الصناعية خلقت وظائف وفرصاً هائلة، وأسهمت بشكل كبير في نمو الطبقة الوسطى، ووفرت الثروة والاستقرار للدول ومجتمعاتها
أما الأتمتة، فقد كانت على مدى سنوات تستبدل الوظائف تدريجياً في قطاعات واسعة
بدءاً من أنظمة الدفع الذاتي في المتاجر، وتراجع الحاجة إلى موظفي البنوك، مروراً بمكاتب تسجيل الدخول الآلية في المطارات، وصولاً إلى الاستخدام المتزايد للروبوتات في التصنيع والتخزين، فإن هذا التحول قائم بالفعل منذ فترة
لكن ما يميز المرحلة الحالية ليس مجرد وجود الأتمتة، بل السرعة المتسارعة التي تتطور بها، مدفوعة بالتقدم التكنولوجي السريع
وفي مختلف أنحاء العالم، تروج الحكومات للذكاء الاصطناعي باعتباره تحولاً تاريخياً يعادل الثورة الصناعية
وهذا يثير أسئلة مهمة حول الحوافز والاستعداد الحقيقي
فبينما يتم التركيز بشكل واسع على الفوائد المحتملة، تحظى التداعيات على سوق العمل والاستقرار الاقتصادي باهتمام أقل بكثير
ويظل فقدان الوظائف على نطاق واسع احتمالاً واقعياً، في وقت تواجه فيه العديد من الحكومات قيوداً هيكلية، تشمل ارتفاع مستويات الدين العام، وضعف القدرة على تنفيذ برامج إعادة تدريب واسعة النطاق
وحتى في الحالات التي تكون فيها هذه الجهود ممكنة، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت أشكال جديدة كافية من الوظائف ستظهر لاستيعاب العمالة التي سيتم الاستغناء عنها، خصوصاً مع بدء التغير التكنولوجي بالتأثير على قطاعات متعددة في الوقت نفسه
أصبح خلق الثروة أكثر تفاوتاً بشكل متزايد في المشهد الاقتصادي الحالي
ففوائد التحول التكنولوجي تتركز في عدد محدود من الشركات، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا، وفي عدد محدود من الدول
وتواصل هذه الشركات الهيمنة على الأسواق، بدعم مباشر أو غير مباشر من السياسات الحكومية، ما يترك مساحة متناقصة أمام الشركات الصغيرة للمنافسة
ويكون التأثير أكثر وضوحاً في الاقتصادات الأصغر، حيث تجد الشركات المحلية نفسها في مواجهة ليس فقط مع المصدرين العالميين، وخصوصاً من الصين، بل أيضاً مع الاحتكارات المحلية والمنصات العالمية الكبرى
وفي حين تمتلك الاقتصادات الكبرى أنظمة رعاية اجتماعية تخفف جزئياً من هذه الآثار، رغم تصاعد المعارضة السياسية لها، فإن العديد من الاقتصادات الأصغر تفتقر إلى مثل هذه الآليات بالكامل، مما يضاعف التداعيات الاجتماعية والاقتصادية
وخلال السنوات الماضية، انتقلت القوة تدريجياً من الحكومات إلى الشركات الكبرى، وخصوصاً شركات التكنولوجيا
فعدد محدود من الشركات بات يمتلك نفوذاً هائلاً على السكان حول العالم من خلال السيطرة على البنية التحتية الرقمية، والخوادم، والشبكات، وأنظمة البيانات، والمنصات التي تقوم عليها الحياة اليومية
وفي المقابل، عجزت الحكومات عن مواكبة هذا التحول، وغالباً ما بقيت متأخرة في مجالات التنظيم والرقابة
كما أن العلاقة الوثيقة بين المصالح السياسية والشركات تثير مزيداً من التساؤلات حول الحوافز والمساءلة
ورغم أن الإفراط في التنظيم يحمل مخاطره الخاصة، فإن تركيز السيطرة على البيانات الحيوية والبنية الاقتصادية في يد عدد محدود من الشركات يستدعي تدقيقاً حقيقياً
ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان ذلك ناتجاً عن فشل تنظيمي، أو ضعف مؤسسي، أو حتى خيارات سياسية متعمدة
لكن التداعيات طويلة الأمد على السيادة الاقتصادية والسلطة السياسية يصعب تجاهلها
وهذه الديناميكية تتسارع الآن بوتيرة أكبر بكثير مع الذكاء الاصطناعي
وخلال العقد الماضي، أصبح التمييز بين الحقيقة والتزييف أكثر صعوبة بشكل متزايد، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى صعود وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للمعلومات
فالمحتوى بات يأتي من طيف واسع من الجهات، يشمل المؤثرين، والجماعات السياسية، وفي بعض الحالات شبكات مدعومة من دول
وفي الوقت نفسه، فقدت وسائل الإعلام التقليدية جزءاً كبيراً من ثقة الجمهور، ما دفع المزيد من المستخدمين نحو المنصات الرقمية التي تفتقر إلى رقابة حقيقية
وقد جعل هذا التحول المعلومات أكثر سهولة وسرعة في الوصول، لكنه جعلها أيضاً أكثر تشتتاً وأقل موثوقية في كثير من الأحيان
ولا تقتصر النتائج على الجانب المعلوماتي فقط، بل تمتد إلى المجال السياسي أيضاً
فقد أظهرت وسائل التواصل الاجتماعي بالفعل قدرتها على التأثير في الأحداث، بدءاً من الحشد الذي شهدته فترة الربيع العربي، وصولاً إلى تأثيرها المستمر على الخطاب السياسي في أوروبا والولايات المتحدة
كما أن انتشار المعلومات المضللة، سواء كان متعمداً أو ناتجاً عن طبيعة النظام نفسه، يرفع من مخاطر عدم الاستقرار السياسي وتآكل الثقة العامة
ومن المرجح أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تسريع هذه الديناميكيات
فإنتاج المحتوى بشكل أسرع، وارتفاع مستوى التلاعب، والقدرة على نشر المعلومات المضللة على نطاق واسع، كلها عوامل تجعل الحفاظ على فهم مشترك للواقع أكثر صعوبة
كما أن تطوير ونشر تقنيات الذكاء الاصطناعي يتركزان حالياً في عدد محدود من الدول، ما يثير تساؤلات مهمة حول تداعيات ذلك على الاقتصادات الأصغر
ومع دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد في الوظائف الاقتصادية والإدارية، ستصبح دول كثيرة أكثر اعتماداً على بنى تحتية مملوكة لجهات أجنبية، بما في ذلك مراكز البيانات، والمنصات السحابية، وأنظمة الشبكات
ويعني هذا الاعتماد فعلياً نقل البيانات الحساسة والتحكم التشغيلي إلى عدد محدود من الجهات الخارجية، وهو اتجاه قائم بالفعل
وبدلاً من تقليل الاعتماد، من المرجح أن يؤدي هذا المسار إلى تعميقه، مما يخلق أشكالاً جديدة من الهشاشة الاقتصادية والاستراتيجية
فالبنية التحتية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي، من خوادم وشبكات وأنظمة بيانات، تخضع إلى حد كبير لسيطرة شركات خاصة، ما يمنحها نفوذاً واسعاً على تدفقات المعلومات والنشاط الرقمي
ويمكن هنا إجراء مقارنة مفيدة مع الاعتماد على الطاقة
فقد أظهرت الاضطرابات الأخيرة المرتبطة بالتوترات حول مضيق هرمز مدى السرعة التي يمكن أن تؤثر بها الصدمات الخارجية على الاقتصادات المحلية عبر أسعار الطاقة
لكن الاعتماد على البنية التحتية الأجنبية للذكاء الاصطناعي قد يكون أكثر خطورة، لأنه لا يتعلق بالسلع فقط، بل بالبيانات والأنظمة التي تقوم عليها الاقتصادات والمجتمعات بأكملها
ومن المرجح أيضاً أن تتصاعد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية في كل من الاقتصادات المتقدمة والنامية
ففقدان الوظائف، إلى جانب تراجع التفاؤل بشأن الفرص المستقبلية، يمكن أن يقلل من النشاط الاقتصادي، وبالتالي من إيرادات الحكومات
وفي الوقت نفسه، قد تحد القيود المالية من قدرة الحكومات على الاستثمار في إعادة التدريب، وخلق الوظائف، والخدمات العامة
وهذا يخلق دورة معقدة، حيث يؤدي ضعف النمو إلى انخفاض الإيرادات الضريبية، بينما قد تدفع الاستجابات السياسية، مثل رفع الضرائب، رؤوس الأموال إلى الهروب نحو بيئات أكثر جاذبية
وبدأت بالفعل تظهر ملامح من هذه الديناميكية في بعض الاقتصادات المتقدمة، مثل المملكة المتحدة
وترتبط هذه الضغوط بشكل مباشر بتزايد عدم المساواة
فتركيز الثروة والفرص في عدد محدود من القطاعات والشركات يهدد بتسريع تآكل الطبقة الوسطى
ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى نشوء بنية اقتصادية أكثر استقطاباً، تتسع فيها الفجوة بين من يمتلكون الوصول إلى رأس المال والفرص عالية القيمة، وبين من يواجهون ظروف عمل أكثر هشاشة وعدم استقرار
وتمتد التداعيات الاجتماعية إلى ما هو أبعد من ذلك، خصوصاً بين الأجيال الشابة
فالشعور بتراجع الفرص، إلى جانب القلق بشأن فعالية المؤسسات، قد يساهم في انخفاض الثقة بالأنظمة الاقتصادية والسياسية
ورغم أن هذه الاتجاهات معقدة وتختلف من دولة إلى أخرى، فإنها تثير تساؤلات مهمة حول التماسك الاجتماعي على المدى الطويل، ومدى استدامة النماذج الاقتصادية الحالية
كما تتضاعف هذه الديناميكيات بفعل دور وسائل التواصل الاجتماعي، التي تسرّع من وتيرة انتشار المعلومات وحجم تأثيرها
فالروايات، سواء كانت دقيقة أو مضللة، أصبحت قادرة على التأثير في الرأي العام والسلوك بسرعة غير مسبوقة، مما يزيد من احتمالات الحشد، وفي الوقت نفسه احتمالات عدم الاستقرار
كما تمتد تداعيات الذكاء الاصطناعي بشكل كبير إلى المجالات العسكرية والأمنية
فاستخدامه في أنظمة المراقبة، واحتمال توظيفه في الحروب، يثير مخاوف مهمة تتعلق بالحريات المدنية والحفاظ على الحقوق الفردية، خصوصاً داخل المجتمعات الديمقراطية
وقد أظهرت الحكومات تاريخياً استعدادها لتبني تقنيات تعزز السيطرة والأمن، حتى عندما تحمل هذه الأدوات مخاطر مجتمعية أوسع
وفي الوقت نفسه، فإن انخفاض تكلفة الوصول إلى بعض قدرات الذكاء الاصطناعي يزيد من احتمالات إساءة الاستخدام من قبل جهات غير حكومية، مما يوسع نطاق التهديدات الأمنية
ويبقى التحدي الأساسي في الفجوة بين السرعة الهائلة للتطور التكنولوجي والاستجابة الحكومية الأبطأ والأكثر تشتتاً في محاولة فهم هذه الأنظمة وتنظيمها
وعلى المستوى الدولي، أصبح تطوير الذكاء الاصطناعي يتشكل بشكل متزايد من خلال المنافسة بين الدول
فالحكومات تسعى بنشاط إلى جذب الاستثمارات وتسريع قدراتها المحلية، وغالباً ما تعطي الأولوية للمكاسب الاقتصادية والاستراتيجية على حساب الحذر
ويظهر ذلك بوضوح في اختلاف أساليب التنظيم
فالاتحاد الأوروبي اتجه نحو تنظيم مبكر وأكثر تشدداً
بينما بقيت المملكة المتحدة أكثر تردداً
في حين دعمت الولايات المتحدة إلى حد كبير التوسع السريع للصناعة
وعند النظر إلى هذه الاتجاهات مجتمعة، يصبح واضحاً أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تحول تكنولوجي، بل جزء من منافسة جيوسياسية أوسع
وفي كثير من النواحي، يشبه الأمر سباقاً عالمياً، رغم أن تمركز الشركات الرائدة داخل الولايات المتحدة يشير إلى أن ميزان الأفضلية قد يكون غير متكافئ بالفعل
وجهة نظر
في ظل حجم المخاطر المطروحة، فإن التسارع المستمر في تبني الذكاء الاصطناعي داخل الاقتصادات والمؤسسات العامة يثير تساؤلات مهمة حول الأولويات والمساءلة
فمن غير المرجح أن يكون صناع القرار غير مدركين للعواقب المحتملة، بما في ذلك اضطراب سوق العمل، وتركيز الثروة الاقتصادية، والضغوط الاجتماعية
وفي الوقت نفسه، تبقى قدرة الحكومات على معالجة هذه التحديات موضع شك
وهذا التوتر يسلط الضوء على قضية أوسع: هل يتجه مسار السياسات الحالي فعلاً لخدمة المصلحة العامة، أم أنه أصبح يتشكل بشكل متزايد تحت تأثير الشركات الكبرى؟
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم:
من الذي يخدمه صناع القرار فعلياً؟
Iraq Business Journal
10th of April, 2026
