قنبلة البطالة الموقوتة

Photo by Zaid Mohammed: Pexels.com
البطالة في العراق ليست مجرد رقم إحصائي، بل مشكلة هيكلية تتفاقم عاماً بعد عام
فعدد العاطلين عن العمل يواصل الارتفاع بشكل مستمر، بينما وصلت الدولة بالفعل إلى حدودها القصوى باعتبارها رب العمل الرئيسي للسكان
ومع وجود ملايين الأشخاص على قوائم الرواتب الحكومية، أصبح هذا النموذج أكثر صعوبة في الاستمرار، خصوصاً في ظل استمرار الطبقة السياسية في الفساد ومحاولة استخراج أكبر قدر ممكن من الثروة قبل حدوث أي تغيير حقيقي
كما أن الأرقام الرسمية في العراق تبقى موضع شك كبير
فبحسب تقارير صادرة عن وزارة التخطيط في أوائل عام 2025، تبلغ نسبة البطالة ما بين 13 و13.4٪، مع الادعاء بأنها انخفضت مقارنة بالسنوات السابقة
لكن كما هو الحال مع كثير من الأمور في العراق، لا يمكن التحقق من هذه الأرقام بشكل مستقل
بينما تشير مصادر رسمية أخرى إلى أن النسبة أقرب إلى 16٪
أما التقديرات غير الرسمية أو الواقعية فتتراوح بين 16 و20٪، وهو ما يبدو أكثر قرباً للحقيقة
ويكفي التجول في شوارع بغداد ومدن أخرى لملاحظة أن أعداداً كبيرة من الخريجين الشباب يضطرون إلى الاعتماد على أعمال يومية شاقة فقط من أجل البقاء
كما تُقدَّر بطالة الشباب بحوالي 32٪، وهي نسبة يفترض أن تثير قلقاً حقيقياً
ومع ذلك، يبدو أن هناك غياباً لأي تحرك جدي من المؤسسات الرسمية لمعالجة هذا التحدي المتصاعد
وفي بعض الحالات، توحي السياسات الأخيرة بعكس ذلك تماماً
ومعالجة هذه الأزمة تتطلب تغييراً في النهج
فدعم ريادة الأعمال، وتعزيز القانون والنظام، وتوفير بيئة مستقرة لنشاط القطاع الخاص، كلها أمور أساسية
ويجب أن يترافق ذلك مع حماية قانونية واضحة لكل من أصحاب العمل والموظفين، بما يساعد على بناء الثقة وخلق فرص عمل مستدامة
لكن الواقع يبدو معاكساً لذلك
فالقطاع الخاص المحدود الموجود حالياً يخضع إلى حد كبير لسيطرة النخب السياسية والجماعات النافذة التي احتكرت النفوذ داخل البلاد منذ عام 2003، وعلى رأسها الجماعات المسلحة
وفي الوقت نفسه، يبقى القطاع الخاص ضعيفاً ومقيداً
فسنوات من فشل السياسات، إلى جانب نفوذ الجماعات القوية التي شكلت البيئة الاقتصادية لخدمة مصالحها الخاصة، تركت مساحة ضيقة جداً أمام أي نمو حقيقي للقطاع الخاص
وبدلاً من أن يكون محركاً للفرص، تحول السوق إلى مساحة محدودة لا توفر آفاقاً حقيقية للتوظيف واسع النطاق
كما تركز جزء كبير من النشاط الاقتصادي القائم بيد جهات مرتبطة بالقوى السياسية، والجماعات المسلحة، والشركات الأجنبية، التي حصلت غالباً على معاملة تفضيلية منذ عام 2003
ونتيجة لذلك، تُرك القطاع الخاص الأوسع من دون حماية حقيقية، وتم تجاهله إلى حد كبير كمسار قابل للحياة بالنسبة للمستثمرين ورواد الأعمال والخريجين الجدد
كما يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره خياراً غير آمن، سواء بسبب حالة عدم اليقين المستمرة أو غياب الحماية القانونية الموثوقة لأصحاب العمل والموظفين على حد سواء
ويزداد الضغط أكثر مع الارتفاع المستمر في أعداد الخريجين الداخلين إلى سوق العمل كل عام
فالتوسع الكبير في الجامعات الأهلية أدى إلى زيادة أعداد الخريجين بشكل ملحوظ، من دون وجود زيادة موازية في خلق فرص العمل
وهذا خلق فجوة متسعة بين التوقعات والواقع، حيث لم تعد الشهادة الجامعية تضمن فرصة حقيقية
ويدخل نحو 250 ألف خريج إلى سوق العمل سنوياً، لينضموا إلى عدد كبير أصلاً من الباحثين عن عمل، في حين لا يتم خلق سوى عدد محدود من الوظائف داخل الاقتصاد
وقد أدى هذا الاختلال إلى تراكم متزايد، وإحباط متصاعد، وضغط اجتماعي أكبر، مما يفرض عبئاً إضافياً على القطاع العام
وفي الوقت نفسه، يواصل الفساد تشويه الوصول إلى الوظائف
فالتقارير حول سعي بعض العائلات لتأمين ما يصل إلى 10 آلاف دولار من أجل الحصول على وظيفة لم تعد أمراً نادراً
وفي كثير من الحالات، يُنظر إلى فرص التوظيف على أنها تعتمد على القدرة على الدفع لا على الكفاءة
ويعكس ذلك نظاماً أوسع يعمل فيه الفساد على مستويات متعددة، من القيادات السياسية العليا وصولاً إلى الإجراءات الإدارية المحلية، مما يعزز التفاوت ويقوض الثقة بالمؤسسات
وبالنسبة للكثيرين، كانت الهجرة تُعتبر في السابق مخرجاً بديلاً
لكن هذا الخيار أصبح أكثر غموضاً وصعوبة
فأوروبا لم تعد بالسهولة التي كانت عليها سابقاً، في ظل تصاعد الضغوط السياسية، وتشديد سياسات الهجرة، وتنامي الخطاب المعادي للهجرة في عدد من الدول
وهكذا بدأ صمام الضغط الخارجي بالإغلاق تدريجياً، تاركاً الأجيال الشابة أمام خيارات أقل للهروب
ومع تراجع الفرص في الخارج، من المرجح أن تتزايد الضغوط المطالبة بتغيير حقيقي داخل البلاد
أما داخلياً، فقد بدأت الأوضاع بالفعل تُظهر علامات توتر
ففي السنوات الماضية، خرجت احتجاجات واسعة طالبت بالوظائف، والإصلاح، والمحاسبة
لكن الرد كان استخدام الرعب ضد المتظاهرين
فقُتل كثيرون، وتم إسكات آخرين
ولا تزال احتجاجات أصغر تظهر بين الحين والآخر، لكنها تُحتوى بسرعة
أما المشكلات الأساسية، فما تزال بلا حل
وهذا يخلق ديناميكية خطيرة
فالنمو السكاني المتزايد، وقلة الفرص، وتصاعد الإحباط، كلها تشكل بيئة خصبة لعدم الاستقرار
ولم يعد السؤال ما إذا كانت الضغوط موجودة، بل إلى متى يمكن احتواؤها
فالعراق لا يستطيع الاستمرار بالاعتماد فقط على عائدات النفط والتوظيف الحكومي للحفاظ على اقتصاده
وقد يؤجل هذا النموذج المشكلة، لكنه لا يستطيع حلها
ومن دون إصلاحات هيكلية حقيقية، ستستمر الفجوة بين نمو القوى العاملة وخلق الوظائف بالاتساع
لكن أي تغيير حقيقي يتطلب وجود نظام حكم فعّال وخاضع للمحاسبة
فالمسار الحالي يثير تساؤلات جدية حول ما إذا كانت المؤسسات القائمة قادرة فعلاً على تحقيق الاستقرار طويل الأمد أو التنمية الاقتصادية
كما أن ردود الفعل الشعبية التي ظهرت خلال السنوات الماضية تشير إلى أن الضغوط الأساسية ما تزال قائمة، ومن المرجح أن تتفاقم خلال السنوات المقبلة
وفي الوقت نفسه، يتزايد الاعتقاد بأن القيادة السياسية أصبحت منفصلة بشكل متزايد عن احتياجات السكان، وأن أولوياتها لا تنسجم مع التنمية الوطنية طويلة الأمد
وهذا الانفصال قد يؤدي إلى تعميق الإحباط الشعبي، خصوصاً مع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية
كما يبدو أن جزءاً كبيراً من النظام لا يزال قائماً بفضل الدعم الخارجي، سواء من الولايات المتحدة أو من أطراف إقليمية
لكن هذا الدعم ليس مضموناً إلى الأبد
وفي مرحلة ما، ستتغير الظروف
وعندما يحدث ذلك، فإن من هم في السلطة إما سيغادرون، أو سيُجبرون على مواجهة نتائج أفعالهم
ومن دون تغيير في الاتجاه الحالي، سيقع عبء هذه التحديات بشكل متزايد على السكان أنفسهم، بينما يبقى أصحاب السلطة معزولين عن تداعياتها
فقد أمّن كثير منهم مستقبلهم عبر الثروات التي جُمعت على حساب الدولة، وفي كثير من الحالات يمتلكون خيار المغادرة، هرباً من النتائج التي سيُترك الآخرون لمواجهتها
وفي مرحلة ما، ستصل الضغوط إلى مستوى لا يمكن احتواؤه
وعندما يحدث ذلك، فمن غير المرجح أن تكون النتائج تدريجية
بل ستكون مفاجئة

Iraq Business Journal

12th of April, 2026

العودة إلى قسم العربية