الحرب تتصاعد ولا تقترب من النهاية

الفجوة بين ما تطالب به الإدارة الأمريكية من إيران وما يسعى إليه النظام الإيراني من هذا الصراع تستمر في الاتساع
في الوقت الحالي، لا يزال الوضع عالقاً في حالة من الجمود، حيث يتمسك الطرفان بمواقفهما بشكل صارم. إلا أن التطورات التي شهدتها الأسابيع الأخيرة دفعت احتمالات الوصول إلى أي حل حقيقي إلى مسافة أبعد، ما يجعل المواجهة مرشحة للاستمرار حتى عام 2027 وربما إلى ما بعد ذلك
منذ مقالي السابق حول سبب عدم انتهاء هذه الحرب في أي وقت قريب، ظهرت عدة أحداث كبرى وتطورات سياسية وتقارير جديدة. وبدلاً من دفع المنطقة نحو التهدئة، عززت هذه التطورات الفكرة الأساسية بأن الصراع يدخل مرحلة طويلة الأمد بدلاً من الاقتراب من تسوية سريعة
ولفهم السبب، من المهم التوقف عند الشروط الأخيرة التي وضعتها إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات
لبنان وحدود التفاوض
أول المطالب الإيرانية هو إنهاء الحرب الحالية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، لكن في الواقع يبدو أن هذا المطلب قد فشل عملياً منذ الآن
القيادة الإسرائيلية، وخاصة بنيامين نتنياهو، تبدو ملتزمة بشكل كامل بمواصلة العمليات ضد حزب الله في جنوب لبنان، وبالنسبة لنتنياهو، الذي يواجه ضغوطاً سياسية منذ سنوات بسبب قضايا الفساد والأزمات السياسية الداخلية، تمثل هذه الحرب فرصة لتحقيق ما يعتبره كثيرون داخل إسرائيل هدفاً استراتيجياً طويل الأمد، وهو إضعاف حزب الله بشكل كبير أو إنهاء التهديد الذي يشكله على الحدود الشمالية لإسرائيل بشكل دائم
ما يحدث في لبنان بات يشبه بشكل متزايد ما حدث سابقاً في غزة، حيث تعرضت قرى لدمار واسع، واضطر المدنيون للنزوح بشكل متكرر، كما أن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين ووسائل الإعلام تشير بوضوح إلى أن العمليات ستستمر حتى ترى إسرائيل أن التهديد قد تم تحييده إلى حد كبير
ومن هذا المنطلق، تبدو الجبهة اللبنانية بعيدة عن أي نهاية قريبة، ما يجعل هذا الشرط خارج أي إطار تفاوضي واقعي
الجمود النووي والصاروخي
المطلب الإيراني الثاني يتمثل في الحصول على ضمانات بعدم شن أي هجمات مستقبلية ضد البلاد
نظرياً، يمكن أن تكون مثل هذه الضمانات جزءاً من تسوية أوسع، لكن عملياً فهي مرتبطة بشكل مباشر بما تطالب به واشنطن من طهران في المقابل
المطالب الأمريكية الأساسية لا تزال إلى حد كبير دون تغيير:
فرض قيود على تخصيب اليورانيوم والبرنامج النووي الإيراني
فرض قيود على تطوير الصواريخ الباليستية
الحد من برامج الطائرات المسيّرة
تقليص نفوذ الجماعات المدعومة من إيران في المنطقة، خصوصاً في لبنان والعراق
وهذا يعيد الوضع مباشرة إلى نفس حالة الجمود
إيران تبدو غير مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة في هذه الملفات، وفي المقابل لا تظهر الولايات المتحدة أي استعداد حقيقي للتراجع عن موقفها، ما يطرح سؤالاً أساسياً:
إلى أي مدى يمكن اعتبار الضمانات الأمنية طويلة الأمد واقعية في ظل تمسك الطرفين بأهدافهما الاستراتيجية الأساسية وعدم استعدادهما للتنازل عنها؟
أحد التفسيرات هو أن طهران لا تزال تتبع استراتيجية المماطلة، وهو أمر أتقنته القيادة الإيرانية خلال سنوات طويلة من المفاوضات التي غالباً ما انتهت بنتائج محدودة جداً، بينما يتمثل احتمال آخر في أن إيران تتعمد إبقاء الفجوة بين الطرفين واسعة قدر الإمكان لأنها تدرك أن هذه قد تكون النهاية
القيادة الإيرانية على الأرجح تدرك أن القبول الكامل بهذه المطالب سيؤدي إلى إضعاف أسس النظام نفسه بشكل جوهري، فبرنامج الصواريخ الإيراني، وشبكات الوكلاء الإقليميين، واستراتيجية الردع الأوسع، كلها مرتبطة بشكل مباشر ببقاء النظام السياسي الحالي
ومن وجهة نظر طهران، فإن تقديم تنازلات كبيرة قد لا يمثل مجرد تسوية سياسية، بل ربما بداية لمرحلة من الاضطراب الداخلي
ولهذا السبب، يبدو أن تحقيق أي تقدم حقيقي في هذا الملف يبقى مستبعداً للغاية في ظل الظروف الحالية
العقوبات والضغوط الاقتصادية
المطلب الإيراني الثالث يتمثل في إنهاء العقوبات ورفع القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية خلال ثلاثين يوماً
ومرة أخرى، يرتبط هذا بشكل مباشر بالمطالب الأمريكية الأوسع، وحتى على افتراض أن الوصول إلى تسوية سلمية لا يزال ممكناً، فإن مثل هذه التنازلات تبدو غير واقعية إذا استمرت إيران في الحفاظ على برنامجها للتخصيب، وتطوير الصواريخ الباليستية، وقدرات الطائرات المسيّرة، وشبكات الوكلاء الإقليميين التابعة لها
في الوقت نفسه، واصلت واشنطن زيادة الضغوط من خلال فرض قيود إضافية تستهدف الموانئ الإيرانية، والأنشطة التجارية، والشبكات المالية، في محاولة لدفع طهران نحو قبول شروطها
إيران، من جهتها، رفضت بالفعل المطالب الأساسية
ونتيجة لذلك، يبدو بشكل متزايد أن الطرفين يتبادلان شروطاً يدركان مسبقاً أنها غير قابلة للقبول
وهذا يطرح سؤالاً مهماً:
هل نحن أمام عملية تفاوض حقيقية تهدف إلى الوصول لتسوية، أم أن المفاوضات نفسها أصبحت جزءاً من الاستراتيجية الأوسع؟
من منظور جيوسياسي واقتصادي، يبدو أن البيئة الحالية تصب بشكل متزايد في مصلحة الولايات المتحدة أكثر من أي طرف آخر مشارك في الصراع، فاستمرار حالة عدم الاستقرار يبقي الضغط الاقتصادي على إيران، ويعمّق اعتماد المنطقة على الهياكل الأمنية الأمريكية، ويزيد الطلب على أنظمة الدفاع الأمريكية، كما يعزز الأهمية الاستراتيجية لصادرات الطاقة والنفوذ العسكري الأمريكي
وسواء كان ذلك مقصوداً أم لا، فكلما استمر الجمود، بدا أن ميزان المكاسب يميل أكثر نحو واشنطن بدلاً من الاقتراب من حل سريع
هرمز والاقتصاد العالمي
المطلب الإيراني التالي ربما يكون الأكثر إثارة للجدل، لأنه يتجاوز الصراع الحالي نفسه ويمس أسس النظام البحري العالمي
طهران تطالب بالاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز، ما يعني عملياً منح إيران سلطة إدارة واحد من أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، وتشير تقارير وتصريحات متداولة في وسائل الإعلام الإيرانية إلى أن ذلك قد يشمل فرض رسوم أو ضرائب أو حتى قيود أوسع على حركة المرور عبر المضيق
في الواقع، من غير المرجح إطلاقاً أن يتم قبول هذا المطلب سواء من قبل دول الجوار أو المجتمع الدولي الأوسع
مضيق هرمز ليس مجرد ممر شحن إقليمي، إذ يمر عبره ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية، ما يجعله واحداً من أهم نقاط الاختناق الاقتصادية في العالم
اقتصادات السعودية والإمارات والكويت وقطر والعراق تعتمد بشكل كبير على استمرار تدفق التجارة والطاقة عبر هذا الممر دون انقطاع، فصادراتها النفطية، وإيراداتها الحكومية، واستقرارها الاقتصادي، وخططها التنموية طويلة الأمد، كلها قائمة على حرية الملاحة في هذه المياه
السماح لإيران بالسيطرة الأحادية على المضيق سيؤدي إلى تغيير جذري في ميزان القوى الإقليمي، إذ ستصبح دول الخليج عملياً عرضة للقرارات السياسية الإيرانية، سواء من خلال التسعير، أو القيود، أو الضغوط، أو حتى التهديد بتعطيل المرور خلال أي نزاعات مستقبلية
وبالنسبة لدول الجوار، فإن الأمر لن يُنظر إليه كقضية بحرية فحسب، بل كتهديد مباشر لبقائها الاقتصادي وأمنها القومي
أما على المستوى الدولي، فإن التداعيات ستكون أكبر بكثير
قبول مثل هذا المطلب سيشكل سابقة عالمية قد تشجع دولاً أخرى على تحدي القواعد البحرية القائمة والسعي لفرض سيطرة أحادية على ممرات تجارية استراتيجية
فطرق الملاحة الدولية تعمل منذ عقود ضمن أطر تهدف إلى ضمان حرية الملاحة ومنع أي دولة منفردة من الهيمنة على الممرات المائية ذات الأهمية العالمية
وإذا بدأت هذه المبادئ بالتآكل، فإن النتائج لن تقتصر على الشرق الأوسط فقط، بل ستمتد لتؤثر على حركة التجارة العالمية، وتكاليف الشحن، وأسواق الطاقة، والاستقرار الجيوسياسي الأوسع
ولهذا السبب تُعد هذه القضية شديدة الحساسية
ما تطرحه إيران فعلياً ليس مجرد تنازل مرتبط بالصراع الحالي، بل إعادة تشكيل لموازين القوة البحرية والإقليمية نفسها
التعويضات والتصعيد
إيران تطالب أيضاً بتعويضات أمريكية عن الأضرار المرتبطة بالحرب، وهو أمر من غير المرجح بدرجة كبيرة أن تقبل به أي إدارة أمريكية بغض النظر عن توجهها السياسي
مثل هذا التنازل ستكون له تداعيات سياسية كبيرة داخل واشنطن، كما سيفتح الباب أمام تساؤلات إقليمية أوسع تتعلق بالمسؤولية والمحاسبة
فإذا أصبحت التعويضات جزءاً من إطار التفاوض، فمن الممكن أيضاً أن تطالب دول أخرى بتعويضات من إيران عن الأضرار الاقتصادية والمدنية المرتبطة بالهجمات الصاروخية، والطائرات المسيّرة، وأنشطة الوكلاء، والتصعيد الإقليمي خلال السنوات الأخيرة
ويشمل ذلك الهجمات على:
البنية التحتية للطاقة
طرق الملاحة والشحن
المنشآت التجارية
المناطق المدنية في عدة دول
وبالتالي، فإن القضية تتحول إلى ما هو أكبر بكثير من مجرد نزاع ثنائي بين طهران وواشنطن
وعند النظر إلى هذه المطالب مجتمعة، فإنها لا تبدو وكأنها صادرة عن نظام يتحرك بجدية نحو التسوية أو التهدئة السريعة، بل تبدو بشكل متزايد إما كاستراتيجية تهدف إلى إطالة أمد حالة الجمود الحالية، أو كمحاولة لتوسيع الصراع سياسياً واقتصادياً على أمل تحويل الضغوط الدولية نحو الولايات المتحدة وحلفائها
دول الخليج والمخاطر القادمة
التقارير الأخيرة المتداولة عبر عدة وسائل إعلام، والتي تزعم أن الإمارات العربية المتحدة والسعودية شاركتا في الضربات الجوية الأمريكية ضد إيران، تطرح احتمالين
إما أن هذه الدول شاركت بالفعل رغم غياب أي تأكيد رسمي حتى الآن، أو أن هذه التقارير نفسها جزء من ضغوط سياسية أوسع تهدف إلى دفع دول المنطقة للانخراط بشكل أعمق في الصراع
في الحروب الحديثة، أصبحت المعلومات نفسها جزءاً من ساحة المعركة، فالروايات الإعلامية، والتسريبات الانتقائية، والتغطيات الصحفية، يمكن أن تُستخدم جميعها لأهداف استراتيجية، خصوصاً عندما تسعى الحكومات للضغط على حلفائها لاتخاذ مواقف أكثر وضوحاً
وفي الوقت نفسه، فإن المخاوف المتعلقة بالشبكات المرتبطة بإيران داخل دول الجوار ليست جديدة، إذ أشارت أجهزة أمنية إقليمية مراراً إلى وجود خلايا وعناصر مرتبطة بإيران تعمل في منطقة الخليج والشرق الأوسط الأوسع
وهذا يخلق وضعاً خطيراً بالنسبة لدول الخليج
فمن جهة، تعتمد اقتصاداتها بشكل كبير على الاستقرار، ومن جهة أخرى، فإن استمرار المواجهة مع إيران يزيد من مخاطر الهجمات على البنية التحتية، وتعطل إمدادات الطاقة، والضغوط الأمنية الداخلية، وحالة عدم الاستقرار الاقتصادي الأوسع
ورغم هذه المخاطر، لا تزال طهران تبدو غير مستعدة للتراجع عن مطالبها الأساسية، إلا أن هذه الاستراتيجية قد ترتد عليها بشكل شديد
فكلما استمرت المواجهة، ازداد الضغط على النظام الإيراني نفسه:
اقتصادياً
سياسياً
اجتماعياً
وعسكرياً
العزلة الدولية تتعمق
العقوبات تتصاعد
الضغوط الاقتصادية تزداد
والمعارضة الإقليمية تصبح أكثر تشدداً
ولهذا السبب، يبدو الصراع بشكل متزايد ليس كأزمة قصيرة الأمد، بل كحرب استنزاف طويلة وممتدة
لماذا قد يستمر الصراع
على عكس ما يعتقده العديد من المحللين الذين يرون أن واشنطن تسعى إلى حل سريع، هناك تفسير آخر أصبح من الصعب تجاهله بشكل متزايد:
فاستمرار حالة عدم الاستقرار قد يخدم في الواقع مصالح أمريكية اقتصادية واستراتيجية مهمة
فكلما استمرت التوترات:
زاد التحول نحو صادرات الطاقة الأمريكية
ارتفع الطلب على أنظمة الدفاع الأمريكية
تعمق اعتماد المنطقة على الهياكل الأمنية الأمريكية
ازدادت قدرة واشنطن على التحكم في تدفقات الطاقة والتحالفات الجيوسياسية
وفي الوقت نفسه، لا تزال العديد من الاقتصادات المعتمدة على طاقة الشرق الأوسط تواجه ضغوطاً تضخمية وحالة من عدم اليقين الاقتصادي، بينما يبقى الاقتصاد الأمريكي أكثر قدرة على الصمود مقارنة بغيره
وفي ظل هذه الظروف، تصبح دوافع الوصول إلى حل سريع أقل وضوحاً بكثير
ولهذا السبب، قد يستمر هذا الصراع لفترة أطول بكثير مما يتوقعه كثيرون
ورغم أن جميع الأطراف تتحمل تكاليف هذا التصعيد، فإن دول الخليج تبقى من بين الأطراف الأكثر عرضة للخطر، إذ تعتمد نماذجها الاقتصادية بشكل أساسي على الاستقرار، وثقة المستثمرين، واستمرار حركة التجارة، وأمن صادرات الطاقة
واستمرار حالة عدم الاستقرار يهدد بشكل مباشر الأسس التي بُنيت عليها هذه الاقتصادات
Iraq Business Journal
13th of May, 2026
