أين ذهبت الأموال؟ العراق بعد ثلاثة وعشرين عاماً من الاحتلال

Photo by Md Mahdi on Unsplash
يجب أن يسأل المرء نفسه، بعد ثلاثة وعشرين عاماً من الاحتلال الأمريكي للعراق، ما هي التغييرات الحقيقية التي جلبها هذا المشروع للشعب العراقي وللمنطقة ككل
لقد أُطلق عليها عملية “حرية العراق”، لكنها لم تجلب سوى الموت، والفوضى، والدمار، والفساد للبلاد
وكما هو الحال في معظم الحروب، فإن الأمر في النهاية يتعلق بالمال
سواء تعلق الأمر باحتياطيات النفط العراقية أو باحتياطيات المنطقة ككل، فإن الهدف يبدو وكأنه ضمان السيطرة الكاملة على منطقة تحتوي على نحو 50٪ من احتياطيات النفط التقليدية المؤكدة في العالم
وبحسب أحدث التقديرات المعلنة من وكالات الطاقة، تمتلك السعودية نحو 267 مليار برميل من النفط، وإيران 209 مليارات، والعراق 145 ملياراً، والإمارات 113 ملياراً، والكويت 101 مليار
ومن بين هذه الدول، كان العراق هو الدولة الوحيدة التي اعتُبرت غير متعاونة، وكان لا بد من تغيير ذلك
ونرى اليوم تكرار السيناريو نفسه مع إيران
أما تكلفة الحرب، فلم تكن حتى أمراً يقلق الإدارة الأمريكية
فقد تكفلت دول الخليج بتمويل الحرب، كما صرح بذلك بوضوح رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الأسبق حمد بن جاسم آل ثاني
وكان العراقيون يعلمون ذلك مسبقاً، لكن لم يسبق لمسؤول خليجي أن تحدث عنه بهذه الصراحة في الإعلام كما فعل هو، لذلك لا ينبغي أن يشكل الأمر مفاجأة
ويرى البعض أن السبب كان الخوف من تهديد عراقي مستقبلي بسبب قضية الكويت، أو أنهم ببساطة كانوا ينفذون أوامر، وأنا أعتقد أن الاحتمال الثاني هو الأقرب
أما إيران، فقد كانت هي الأخرى تدعم الولايات المتحدة في غزو العراق، كما أشار محمود أحمدي نجاد، انطلاقاً من مصلحة مشتركة في إزالة عدو مشترك، تحديداً حزب البعث وصدام حسين
وقد لعبت الميليشيات والجماعات السياسية المدعومة من إيران دوراً محورياً في غزو عام 2003، وهي اليوم تشغل مناصب عليا في الحكومة وتمتلك نفوذاً واسعاً على العراق وثرواته وشعبه
وكانت ولاءاتها دائماً موزعة بين الجانبين، ففي بعض الحالات لإيران، وفي حالات أخرى للولايات المتحدة، فهم لا يستطيعون نسيان من منحهم هذه المناصب
وفي المقابل، يعاني الشعب العراقي من الفساد، والانقسام، والموت، ودولة فاشلة بالكامل
وهنا يبرز السؤال الحقيقي: أين ذهبت كل هذه الأموال؟
فقد أصبح تهريب النفط في العراق صناعة معقدة تقدر بمليارات الدولارات، تشارك فيها ميليشيات مدعومة من الدولة، وشبكات جريمة منظمة، وآليات للالتفاف على العقوبات الدولية
ويُستخدم هذا التهريب بشكل أساسي كمصدر تمويل لإيران والجماعات التابعة لها، بينما يستنزف ثروة العراق الوطنية بشكل هائل
وكل ذلك يجري منذ ثلاثة وعشرين عاماً، بعلم كامل من الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ومن دون أي محاولات حقيقية لمعالجة هذه المشكلة
فلماذا؟
ما الذي يمنع الولايات المتحدة من التحرك؟
هل كان ذلك جزءاً من اتفاق مع إيران؟
وهل تضغط دول الخليج على الإدارات الأمريكية المختلفة لضمان بقاء الوضع كما هو؟
هل هذه هي الحرية الجديدة التي وُعد بها العراقيون؟
أم أن الخطة الأمريكية كانت ببساطة تدمير العراق وضمان ألا ينهض مرة أخرى كقوة إقليمية؟
أم أن جميع هذه العوامل صحيحة معاً، وهو ما يعتقده معظم العراقيين
وإذا وضعنا النفط المهرب جانباً، واتبعنا الأرقام الرسمية، رغم أنني أشك كثيراً في دقتها، فإن عائدات صادرات النفط العراقية منذ عام 2003 تُقدَّر بما يتراوح بين 1.46 تريليون وأكثر من 2 تريليون دولار، بحسب المصدر
مصطلح “حكومة الفيسبوك” هو تعبير ابتكره العراقيون خلال السنوات الأخيرة لوصف شكل الوضع الحالي من حيث التنمية الاقتصادية والازدهار في البلاد
فالحكومة العراقية الأخيرة، بقيادة محمد شياع السوداني، ووفقاً للعديد من المصادر والمحللين، تنفق ملايين الدولارات على الإعلانات، ووسائل التواصل الاجتماعي، والمؤثرين، واليوتيوبرز، في محاولة لتلميع مشاريع التطوير العقاري والبنى التحتية الأخيرة
ولا يمكن إنكار أن العراق شهد بعض التغييرات في ظل هذه الحكومة، لكن السؤال الحقيقي هو: بأي ثمن، ومن هو المستفيد الفعلي من كل هذه المشاريع؟
وهناك أمر واحد يبدو مؤكداً: المستفيد ليس الشعب العراقي
فبعد مرور الوقت، ومع زوال حالة الحماس الإعلامي، بدأت الحقيقة تظهر للناس
فما يُطلق عليه “مشاريع البنية التحتية” كان في معظمه عبارة عن جسور وطرق، يعاني كثير منها من مشاكل إنشائية كبيرة
كما أن العقود الممنوحة كانت مليئة بالفساد، وشاركت فيها أطراف سياسية متعددة ومسؤولون حصلوا على عمولات، مع تضخيم واضح في الأسعار، ومن دون وجود جهة رقابية حقيقية تفرض المعايير أو العقوبات عند الحاجة
فضلاً عن ذلك، تبيّن لاحقاً أن عدداً من المقاولين لم يحصلوا أصلاً على مستحقاتهم من الحكومة
أما مشاريع التطوير العقاري التي يجري الترويج لها باستمرار، فقد تحولت على الأرجح إلى واحدة من أكبر عمليات غسيل الأموال في تاريخ العراق
فقد مُنحت الأراضي مجاناً من الدولة إلى أفراد معينين، وميليشيات، وأحزاب سياسية، مجاناً بالكامل
وفي كثير من الحالات، جرى الاستيلاء على الأراضي بالقوة عبر الجماعات المسلحة
ثم أُجبرت المصارف على منح قروض لموظفي القطاع الحكومي لتمكينهم من شراء الوحدات السكنية، ببساطة لأن غالبية الناس لا تستطيع تحمل أسعارها
كما أُجبرت البنوك أيضاً على تقديم قروض وخطوط ائتمان لما يسمى “شركات التطوير” لبناء هذه المشاريع الضخمة
وفي الوقت نفسه، جرى تمرير تشريعات حكومية لضمان أن يتم كل شيء بشكل “قانوني”، ما أدى إلى خلق مئات الملايين من الدولارات لصالح الميليشيات المسلحة والسياسيين الفاسدين
أما التخطيط والموافقات الرسمية، فلم تكن مطلوبة فعلياً، لأنهم يسيطرون على كل شيء أصلاً
حتى ربط المشاريع بالخدمات العامة لم يكن ضرورياً، إذ قامت هذه المجمعات بتوفير الكهرباء والمياه من داخلها، مع فرض الأسعار التي تريدها على السكان
ويعتمد الاقتصاد العراقي بشكل شبه كامل على صادرات النفط، ومنذ عام 2003 كان النفط هو المساهم الرئيسي الوحيد تقريباً في الناتج المحلي
وقد أُنفقت هذه الأموال على الفساد، والأحزاب السياسية المختلفة، ووسائل إعلامها، والبرلمان، ودعم اقتصاد إيران ووكلائها، إلى درجة أن هذه الأموال صنعت مليارديرات من العدم
فكثير من هؤلاء “السياسيين” كانوا يعيشون سابقاً على إعانات أسبوعية في دول غربية، ثم فجأة أصبحوا يمتلكون عقوداً بملايين الدولارات وإيرادات ضخمة
وفي السابق، كانوا يحولون هذه الأموال إلى الخارج لحمايتها من أي تغير محتمل في الوضع العراقي، لأنهم يدركون أن هذا النظام لا يمكن أن يستمر إلى الأبد
لكن بعد زيادة العقوبات الأمريكية على أفراد وشركات وأحزاب داخل العراق، بدأ هامش الحركة يضيق
ولم يعد لديهم الكثير من الخيارات، فكان لا بد من إيجاد وسيلة جديدة للتعامل مع الأموال
وكانت أفضل طريقة لغسيلها هي العقارات
يبنون، ثم يبيعون، ثم يحولون الأموال إلى الخارج
وهكذا تصبح الأموال “نظيفة”، مع عدد أقل بكثير من الأسئلة
دعونا ننظر إلى القطاعات الأخرى
الصحة تكاد تكون غير موجودة، إلا إذا اتجهت إلى القطاع الخاص
أما التعليم، فقد انتقل من كونه واحداً من أنجح الأنظمة التعليمية في المنطقة إلى واحد من الأسوأ خلال أقل من عشرين عاماً
والزراعة بالكاد تصمد، في ظل المنافسة مع إيران وتركيا المجاورتين
أما التصنيع، فقد تم تدميره لضمان بقاء العراق سوقاً استهلاكياً ضخماً للدول المجاورة
وفي قطاع الاتصالات، تسيطر عدة احتكارات محدودة على السوق
زين، المملوكة بشكل أساسي للكويت
وآسياسيل، التابعة بشكل رئيسي لأوريدو القطرية
وكورك، المملوكة لسيروان بارزاني، ابن شقيق مسعود بارزاني
أما القطاع المالي، فهو متخلف إلى حد كبير، ويعمل تحت قيود وعقوبات مستمرة
كما أن قطاع الخدمات العامة يعاني منذ عام 2003، ومن دون أي مؤشرات حقيقية على وجود حلول جذرية
وفي السياحة، وباستثناء السياحة الدينية، وبعض “السياح” القادمين عبر حملات التواصل الاجتماعي المدفوعة، والعراقيين المقيمين في الخارج، فإن العراق ليس فعلياً الوجهة الأولى لقضاء العطل، رغم أن إمكاناته السياحية هائلة
ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للعراق لعام 2024 نحو 279.64 مليار دولار
وبالمقارنة مع الدول المجاورة، فإن هذا الرقم منخفض جداً بالنسبة لدولة يبلغ عدد سكانها نحو 47 مليون نسمة
فلو كانت هناك حكومة حقيقية تسعى لبناء دولة ناجحة، لكان من المفترض أن يكون الرقم أعلى بكثير
فالسعودية، التي يبلغ عدد سكانها نحو 35 مليون نسمة، تمتلك ناتجاً محلياً يتجاوز 1.1 تريليون دولار
وتركيا، مع 87 مليون نسمة، يصل ناتجها إلى نحو 1.4 تريليون دولار
أما الإمارات العربية المتحدة، التي يبلغ عدد سكانها 11 مليوناً فقط، فتملك اقتصاداً بحجم 550 مليار دولار
تخيلوا ماذا كان يمكن أن يصبح عليه العراق لو أن الحكومات التي جاءت بعد 2003 حاولت فعلاً بناء دولة ناجحة
فالعراق يمتلك إمكانات هائلة، سواء في التعليم، أو الزراعة، أو السياحة، أو التصنيع، أو الخدمات اللوجستية، أو أي قطاع آخر يمكن التفكير فيه
لكن مع وجود نظام سياسي فاشل، كانت النتيجة ما نراه اليوم
دولة فاشلة وفاسدة، لا تمتلك ما تقدمه لشعبها
ولهذا نعود مجدداً إلى السؤال: أين ذهبت التريليونات، سواء كانت 1.4 أو 2 تريليون دولار؟
فالبلاد ما تزال تعاني من أزمات حادة في الطاقة، والرعاية الصحية، والخدمات العامة، والزراعة، والتعليم، وجميع القطاعات الأخرى، ناهيك عن غياب أي دعم حقيقي للقطاع الخاص ليتمكن من المنافسة إقليمياً
بل إن القطاع الخاص نفسه يواجه تهديداً مستمراً من الميليشيات والسياسيين
لقد فشل النظام السياسي الحالي، بل وتم تصميمه لكي يفشل
فقد تم تنصيبه من قبل الولايات المتحدة لضمان فشل العراق كدولة
وبدعم من إيران، ودول الخليج، ودول مجاورة أخرى، تمكن الجميع من تدمير البلاد، ومجتمعها، وأي فرص حقيقية للنمو المستقبلي
وما لم يحدث تغيير حقيقي، فإن معاناة العراق ستستمر
لقد أُنفقت الأموال على الفساد، وعلى صناعة مليونيرات ومليارديرات بين ليلة وضحاها، بينما جُردت البلاد ومواطنوها من أبسط مقومات الحياة الكريمة
فهناك إمكانات هائلة في هذا البلد، لكنها تُهدر على يد سياسيين يخدمون مصالحهم الخاصة بدلاً من خدمة الشعب

Iraq Business Journal

11th of April, 2026

العودة إلى قسم العربية