لماذا لا يمكن للقطاع العام في العراق أن يستمر بهذا الشكل

Photo by Hussain Asaad: Pexels.com
لسنوات طويلة، لم يعمل النظام السياسي العراقي الحالي كجهة حاكمة فقط، بل كأكبر رب عمل للسكان أيضاً
فالملايين يعتمدون بشكل مباشر على رواتب الدولة، بينما يعتمد عدد أكبر بشكل غير مباشر على الإنفاق الحكومي
وقد خلق هذا النموذج، القائم إلى حد كبير على عائدات النفط، نظاماً بدأ يُظهر علامات التصدع
كما ساهمت سنوات من القيادات السياسية ذات الرواتب والامتيازات المرتفعة في ترسيخ الفساد داخل مؤسسات الدولة
ومن أبرز الأمثلة المستمرة على ذلك قضية ما يُعرف بـ”الفضائيين”، وهم أشخاص مسجلون ضمن قوائم الرواتب الحكومية لكنهم لا وجود لهم في الواقع
ورغم تسليط الضوء على هذه الظاهرة مراراً، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت المشكلة قد عولجت بالكامل
كما أشارت تقارير إلى أن مسؤولين على مستويات مختلفة تمكنوا من إنشاء سجلات توظيف وهمية وتحويل الرواتب والمخصصات إلى أنفسهم أو إلى شبكات مرتبطة بهم
وتكشف هذه الممارسات عمق الضعف المؤسسي، ومدى إساءة استخدام الموارد العامة
وفي قلب هذا النظام يوجد اختلال أساسي
فالقطاع العام يواصل التوسع واستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، في حين تبقى القدرة الإنتاجية للاقتصاد محدودة
وأصبح التوظيف الحكومي هو المسار الافتراضي للكثير من الخريجين، ليس لأنه الأكثر كفاءة أو ضرورة، بل بسبب غياب البدائل الحقيقية
أما القطاع الخاص، الذي يخضع إلى حد كبير لتأثير القوى السياسية والجماعات المسلحة، فلم يوفر يوماً مساراً مستقراً أو موثوقاً للخريجين
كما لم يُسمح له بالعمل ضمن بيئة تدعمها مؤسسات قانونية قوية، ولم يوفر حماية كافية لأصحاب العمل أو الموظفين
ولهذا السبب، نادراً ما جرى النظر إليه كخيار مهني طويل الأمد
ويتعزز هذا الواقع أيضاً من خلال قناعة متجذرة بأن الوظائف يجب أن تأتي من الدولة
فلسنوات طويلة، اعتاد السكان النظر إلى الحكومة باعتبارها المصدر الرئيسي للعمل، وهي عقلية تشكلت جزئياً بفعل النظام الاقتصادي الذي كان قائماً قبل عام 2003
ورغم وجود مساحة محدودة للقطاع الخاص في تلك الفترة، فإن نموه كان مقيداً بشكل واضح
لكن البيئة العامة كانت أكثر تنظيماً، مع وجود مستوى أعلى من القانون والنظام، بخلاف الوضع الحالي الذي تمارس فيه الجماعات المسلحة والفساد نفوذاً واسعاً على الاقتصاد
كما أن حجم التوسع في القطاع العام أصبح ضخماً
فمع وجود ملايين الموظفين على قوائم الرواتب الحكومية، ارتفع العبء المالي على الدولة بشكل كبير
وباتت الرواتب، والتقاعد، ومدفوعات الرعاية الاجتماعية، تستهلك جزءاً كبيراً من الإنفاق العام، ما يترك مساحة محدودة للاستثمار في البنية التحتية، والتعليم، والتنمية الاقتصادية الأوسع، وهي مجالات أساسية للنمو طويل الأمد
ويزداد هذا الوضع تعقيداً بسبب استمرار الفساد بشكل مزمن
فعند كل أزمة مالية، يواجه النظام السياسي الخيار نفسه مراراً: إما إعطاء الأولوية للإصلاح وتلبية احتياجات السكان، أو الاستمرار في استخراج الثروة من موارد الدولة
لكن عملياً، كان الخيار الثاني هو السائد باستمرار منذ عام 2003، مما عزز نقاط الضعف الهيكلية وقلل فرص التغيير الحقيقي
كما أن هذا الاقتصاد يعتمد بشكل كبير على عائدات النفط
وطالما بقيت أسعار النفط عند مستويات مناسبة، يستطيع النظام الاستمرار في العمل
لكن هذا الاعتماد يخلق مستوى عالياً من الهشاشة
فأي تقلبات في أسواق النفط العالمية يمكن أن تتحول سريعاً إلى ضغوط مالية، تدفع الحكومة إما إلى خفض الإنفاق أو زيادة الاقتراض
وفي كلتا الحالتين، لا يتم معالجة المشكلة الهيكلية الأساسية
وقد كشفت الأحداث الأخيرة مدى هشاشة هذا النموذج
فمع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران وتعطل حركة المرور عبر مضيق هرمز، ظهرت فوراً تحذيرات من مسؤولين ومحللين ووسائل إعلام تفيد بأن رواتب الدولة قد تتعرض للخطر خلال أشهر
وكانت ردة الفعل سريعة، وانتشرت حالة القلق في مختلف أنحاء البلاد
وقد كشف هذا التفاعل مدى اعتماد الاقتصاد على مصدر دخل واحد فقط
فأي اضطراب في تدفقات النفط ينعكس مباشرة على مالية الدولة، وبالتالي على ملايين الأشخاص الذين يعتمدون على دخل الحكومة
ولو وُجدت إدارة أكثر كفاءة منذ عام 2003، لكان من الممكن أن يسلك العراق مساراً مختلفاً، يقوم على التنويع الاقتصادي، وتطوير القطاع الخاص، وخلق مصادر دخل بديلة
لكن استمرار الاعتماد على النفط ترك النظام مكشوفاً أمام الصدمات الخارجية، مع قدرة محدودة جداً على التكيف عند حدوث الأزمات
وفي الوقت نفسه، يواصل سوق العمل التوسع
ففي كل عام، يدخل مئات الآلاف من الشباب إلى سوق العمل، وكثير منهم من الخريجين الذين يتوقعون الحصول على وظائف مستقرة
لكن الدولة لا تستطيع الاستمرار في استيعاب هذه الأعداد إلى ما لا نهاية، بينما يبقى القطاع الخاص أضعف من أن يوفر فرصاً كافية
وهذا يخلق فجوة متزايدة بين حجم القوى العاملة والقدرة على خلق الوظائف
كما أن معدلات البطالة مرتفعة بالفعل، مع تقديرات تتراوح بين 13٪ و20٪، ومن المرجح أن تعكس النسبة الأعلى الواقع الفعلي بشكل أكبر
أما بطالة الشباب فهي أكثر خطورة، إذ تتجاوز 30٪
وهذه الأوضاع يصعب استمرارها على المدى الطويل، ومن المرجح أن تزداد مخاطر الاضطرابات الاجتماعية إذا استمرت الضغوط بالتراكم
وأصبح من الشائع أن تقوم العائلات بالادخار أو الاستدانة فقط من أجل دفع الرشاوى للحصول على وظيفة
وقد أصبح هذا أمراً طبيعياً في العراق، بينما يحقق بعض المسؤولين أرباحاً مباشرة من يأس الناس وحاجتهم
إن نتائج هذا الاختلال بين التوظيف الحكومي والقطاع الخاص أصبحت واضحة بالفعل
فالوظائف في القطاع العام غالباً ما تتسم بانخفاض الإنتاجية، حيث يتم خلق العديد من المناصب بهدف استيعاب العمالة وليس لتلبية احتياجات اقتصادية حقيقية
وهذا يؤدي إلى ضعف الكفاءة داخل مؤسسات الدولة ويقلل من الناتج الاقتصادي العام
وبمعنى آخر، يتم الحفاظ على الوظائف، لكن من دون إنتاجية حقيقية تقابلها
وفي العديد من المؤسسات، تعاني مستويات الحضور والأداء من عدم الاستقرار، بينما تستمر جودة الخدمات بالتراجع
ويظهر ذلك بوضوح في قطاعات أساسية مثل الصحة والتعليم، حيث أصبحت الخدمات العامة عاجزة بشكل متزايد عن تلبية الحد الأدنى من المعايير
ونتيجة لذلك، يلجأ من يستطيع إلى البدائل الخاصة، بينما يُترك كثيرون بخيارات محدودة أو غير كافية
وترتبط هذه الديناميكية بشكل مباشر بالأوضاع الاقتصادية الأوسع
فمعدلات الفقر تُقدّر عملياً بأنها تتجاوز 25٪، بينما تصل في بعض المحافظات إلى ما بين 50 و70٪
وتكشف هذه الأرقام مدى تأثير ضعف الكفاءة الاقتصادية وتراجع الخدمات العامة بشكل مباشر على مستويات المعيشة في مختلف أنحاء البلاد
ولا يقتصر أثر هذا النظام على الاقتصاد فقط، بل يشوه الحوافز أيضاً
فعندما يُنظر إلى الوظيفة الحكومية باعتبارها الخيار الآمن الوحيد، يتم تثبيط روح المبادرة بشكل فعلي
ففتح مشروع خاص يحمل مخاطر حقيقية
إذ قد يتعرض أصحاب الأعمال للترهيب، أو لفرض الإتاوات، أو للإغلاق إذا شكلوا تهديداً لمصالح قائمة
وهذا ليس أمراً معزولاً، بل واقع واسع الانتشار تشكله القوى السياسية والجماعات المسلحة
وفي مثل هذه البيئة، تتم معاقبة من يخاطر بدلاً من مكافأته
ونتيجة لذلك، يبتعد الأفراد عن المشاريع الخاصة ويتجهون نحو الدولة، مما يعزز النظام نفسه الذي يعيق الاقتصاد باستمرار
كما أن هناك واقعاً مالياً متزايداً لا يمكن تجاهله
فكلما ارتفع عدد موظفي القطاع العام، ارتفع معه العبء طويل الأمد للرواتب التقاعدية والدعم الاجتماعي
وستستمر هذه الالتزامات بالتراكم، ما يضع ضغوطاً متزايدة على الموازنات المستقبلية
ومن دون إصلاحات حقيقية، قد تجد الدولة نفسها مقيدة مالياً وغير قادرة على التعامل مع التحديات الاقتصادية
وقد بدأت بالفعل تظهر مؤشرات الضغط
فمشكلات الرواتب التقاعدية، بما في ذلك حالات الاستبعاد والقرارات المتأثرة سياسياً، بدأت مباشرة بعد عام 2003
وإذا استمرت هذه المشكلات من دون معالجة، فمن المرجح أن تتوسع وتؤثر على شريحة أكبر من السكان، مما يزيد من تآكل الثقة الضعيفة أصلاً بمؤسسات الدولة
ورغم كل هذه الضغوط، يستمر النظام
وفي كثير من النواحي، أصبح من الصعب سياسياً التراجع عنه
فالوظائف الحكومية توفر استقراراً قصير الأمد وتساعد على احتواء الضغوط الاجتماعية
لكن تقليص هذا الدور يتطلب قرارات صعبة، تشمل الحد من التوظيف، وإعادة هيكلة المؤسسات، والاستثمار في مصادر بديلة للتوظيف
وهذه ليست خيارات سهلة في أي بيئة سياسية، خصوصاً عندما لا تبدو أولوية حقيقية لدى القيادة السياسية
وقد اعترف مسؤولون مراراً بالحاجة إلى تقليص التوظيف الحكومي وتشجيع الناس على البحث عن بدائل
لكن ذلك لم يترافق مع الإصلاحات المطلوبة
فلا تزال هناك فجوة في الحماية القانونية، والتشريعات الواضحة، والدعم المؤسسي لنشاط القطاع الخاص، ما يترك الشركات عاجزة عن النمو أو المنافسة بشكل فعّال، حتى على المستوى الإقليمي
ونتيجة لذلك، تحول العراق بشكل متزايد إلى سوق استهلاكي للدول المجاورة، بدلاً من أن يكون منتجاً للسلع والخدمات
فبدلاً من تطوير الصناعات المحلية وقطاع الخدمات، عزز المسار الحالي الاعتماد على الاستيراد
وكان من المفترض أن يقوم النهج الأكثر استدامة على حماية ودعم الصناعات المحلية، بما يسمح لها بالنمو والمنافسة والمساهمة الحقيقية في الاقتصاد
لكن ما حدث منذ عام 2003 كان العكس تماماً
ومع ذلك، فإن تأجيل الإصلاح لا يلغي المشكلة، بل يضاعفها
فكلما استمر النظام بشكله الحالي، ازداد الاختلال
ويصبح عدد أكبر من الناس معتمداً على التوظيف الحكومي، بينما ترتفع تكلفة أي عملية إصلاح مستقبلية
وما يبدو قابلاً للإدارة اليوم قد يصبح أكثر صعوبة بكثير في المستقبل، خصوصاً أن علامات التصدع بدأت تظهر بالفعل
وأي مسار مستدام للمستقبل يتطلب إعادة توازن تدريجية للاقتصاد
ويشمل ذلك تقوية القطاع الخاص، وتحسين بيئة الأعمال، وخلق ظروف تسمح بنمو الاستثمار وروح المبادرة
كما يتطلب تغييراً في طريقة التفكير، بحيث لا تبقى الوظائف مرتبطة بشكل شبه كامل بالدولة
لكن أياً من ذلك لن يحدث من دون معالجة النظام السياسي نفسه
فالنظام القائم على الفساد وتعدد مراكز القوة يواصل عرقلة أي تقدم
ومن دون تغيير على هذا المستوى، لن يتغير شيء آخر
وفي النهاية، فإن السؤال ليس ما إذا كان هذا النموذج قادراً على الاستمرار، بل إلى متى يمكنه الصمود
فقد يكون اعتماد العراق على التوظيف الحكومي المدعوم بعائدات النفط قد وفر استقراراً مؤقتاً، لكنه لا يقدم حلاً طويل الأمد
ومن دون تغيير هيكلي، سيواصل النظام مواجهة ضغوط متزايدة، اقتصادياً واجتماعياً، وقد ينزلق بسهولة نحو الفوضى
لكن التغيير الحقيقي يتطلب أكثر من إصلاح اقتصادي
فهو يعتمد على تحول في النظام السياسي نفسه
وطالما بقيت البنية الحالية قائمة، سيظل أي تقدم حقيقي محدوداً
وما يحتاجه العراق هو تجديد حقيقي: أفكار جديدة، وقيادة جديدة، وتركيز واضح على خدمة مصالح البلاد طويلة الأمد بدلاً من المصالح الشخصية أو الخارجية
وفي مرحلة ما، ستفرض هذه الضغوط عملية انتقال
لكن التحدي الحقيقي هو ما إذا كان هذا الانتقال سيتم بشكل تدريجي ومنظم، أم سيأتي نتيجة صراع مسلح

Iraq Business Journal

13th of April, 2026

العودة إلى قسم العربية